الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

العقل الذي لا يهزم في مرآة العلاقات
حين يلتقي الوعي العلمي بكرامة الإختيار

الحلقة الثانية من سلسلة وعي و إرتقاء 

 

 

 

بقلم ذة نجاة زين الدين 

مدربة، كوتش و مستشارة نفسية 

 

 

في زحام العلاقات التي تحيط بنا، حيث تتداخل المشاعر بالواجبات، و تتقاطع الروابط بالمصالح، يجد الإنسان نفسه أحيانا غارقا في دوامة لا يدرك حدودها: يعطي أكثر مما يحتمل، يصمت أكثر مما يجب، و يقنع نفسه أن الصبر فضيلة حتى و إن كان على حساب ذاته و كرامته…
نحب فنبالغ في العطاء و التنازل، نثق فنسلم رقابنا دون تحليل و لا تمحيص، و نخاف الفقد فنتمسك أحيانا كثيرة بمن يرفض تواجدنا معه… أو يستهتر بحضورنا معه حتى و نحن نستنزف و نحترق و نخترق…نمضي في تقديم التضحيات تحت ذريعة الحفاظ على العلاقات و إن كانت سامة و مميتة…تارة بدوافع إحتياجات ذاتية و تارة بسبب إضطراباتنا النفسية و تارات أخرى بدوافع إجتماعية و إقتصادية و إن أثت النفاق مسارها و مسيرتها و إعتلى عرش تدبيرها في الكثير من العلاقات المستمرة…( زواج، أخوة، صداقات، علاقات عمل…)
و في خضم هذا التعقيد، يتراجع صوتنا الداخلي، و يتقدم صوت الآخر، فنبدأ، دون أن نشعر، في قياس قيمتنا بميزان رضاهم عنا، و نربط سعادتنا بتقديرهم لنا و تصفيقهم لإنجازاتنا، و نؤجل قراراتنا خوفا من تقلب مشاعرهم إزاءنا أو تفاديا لأحكامهم القيمية عنا…لكن، هل تساءلنا يوما: كم من علاقة أبقتنا أحياءا في الظاهر…لكنها أنهكتنا في العمق و حكمت علينا بالخراب و الإحباط من الداخل؟؟؟
كم من موقف تنازلنا فيه عن أنفسنا…فقط لنحافظ على صورة ما في أعين الآخرين؟؟؟؟
و كم مرة أقنعنا أنفسنا أن ما نعيشه “طبيعي…” فقط لأننا لم نملك الشجاعة الكافية للإعتراف بأنه مؤلم و مستنزف، أو للإحتجاج بأنه مقرف و مبتدل…و أحيانا مراعاة لتلك العلاقة بإسم التضحيات و لعب دور البطولة و الزعامة الذي يستهوينا و مرات بإسم الولاء لدور الأبوة أو الأمومة المعوضة إيمانا برضى و سخط الوالدين أو إحتفاظا على تمظهرات إجتماعية كاذبة ، هاته الأخيرة التي تلزمنا بقواعدها و نصوصها العرفية أن نضحي و نضحي و نضحي دون توقف و إن كان من في الجهة الأخرى من العلاقة لا يبالي و لا يقدر بل في أحيان كثيرة يتعدى حدوده و بكل نرجسية يعتدي؟؟؟
فهنا، لا يعود السؤال عن الآخرين… بل عنا نحن: هل نملك من الوعي ما يكفي لنميز بين العلاقة التي تحيينا و تلك التي تردينا قتلى و صرعى بسبب التفكير المهول أو الإحتراق المدمر؟؟؟ و هل نمتلك من الشجاعة ما يجعلنا نختار أنفسنا… دون خوف، و دون إنتظار لأي تصفيق من أحد؟؟؟

 

العقل بين البنية و التوجيه: كيف تتشكل إستجاباتنا في العلاقات؟

 

حين نحاول فهم ذواتنا داخل العلاقات، لا يكفي أن نلوم القلوب أو نبرئ النوايا، بل يجب أن نغوص في البنية التي تنتج ردود أفعالنا…بالكثير من العفوية المبرمجة بالتراكم التربوي أو السلوك المكتسب…
لقد سعى علماء النفس و السلوك منذ عقود إلى تفكيك هذا اللغز، فظهرت نماذج تقارب الإنسان من زوايا متعددة، من بينها نموذج Paul D. MacLean الذي تحدث عن تعددية الأنماط داخل الدماغ، حيث تتجاور أنظمة الإستجابة بين الإنفعال( دماغ الزواحف)، و العاطفة(الدماغ الحوفي) ، و التفكير( القشرة المخية/ الدماغ الواعي)…بعدما سبقته تصورات أكثر تركيبا، لتبرز تفاعل الجانبين:
الجانب التحليلي المنطقي (الذي نربطه عادة بالفص الأيسر)
و الجانب الحدسي العاطفي (الذي ينسب إلى الفص الأيمن)
غير أن هذا التقسيم، و إن كان تبسيطيا، فإنه يكشف لنا حقيقة جوهرية:
أن إستجاباتنا في العلاقات ليست دائما إختيارا واعيا… بل نتيجة تفاعل معقد بين ما نشعر به و ما نعتقده…و ما يفرض علينا من الخارج( الأسرة، المدرسة، المجتمع، الإعلام، القرارات السياسية و الإقتصادية…)
و هنا يبدأ الوعي… لا بإلغاء أحد الجانبين، بل بتنظيم الحوار بينهما…

 

من الفهم إلى التصنيف: كيف حاولت الإختبارات السلوكية قراءة الإنسان من الداخل و الخارج؟

 

فمع تطور البحث، ظهرت إختبارات تسعى إلى فهم أنماط التفكير و السلوك داخل العلاقات و القرارات من التفكير إلى الإنجاز بقياس الإنتاجية الفردية، و من أبرزها نموذج Ned Herrmann الذي قدم رؤية متكاملة لأنماط التفكير، موزعة بين أربعة أبعاد:

-نمط تحليلي عقلاني
-نمط تنظيمي عملي
-نمط عاطفي تواصلي
-نمط إبداعي حدسي

هذا النموذج لا يضع الإنسان في خانة ضيقة، بل يفتح المجال لفهم تفضيلاته، و كيف يمكن أن ينحاز في علاقاته إلى العاطفة على حساب المنطق، أو إلى التحليل على حساب الإحساس…و كيف يجب على الإنسان تحقيق الموازنة العقلانية بين كل إحتياجاته الوجودية…
إلا أن المحاولات لم تتوقف هنا، بل توالت إختبارات الشخصية الإنسانية و السلوك البشري…في العديد من المقاييس و التصورات، لتؤكد في مجملها حقــــيـــــقــــة واحـــــــدة:
أن الإنسان ليس خطـــا مستقيما، بل هو شبكة معقدة من التفاعلات، تتأثر بالتجارب، و التربية، و البيئة، و الذاكرة العاطفية و كل الإكراهات الخارجية أكانت إجتماعية أو إقتصادية أو سياسية…مما يجعل كل مضامين هذه البحوث نسبية لأنها تنجز دراستها على كائن معقد و مزاجي و متقلب الأطوار و الإحتياجات…
لكن، و رغم هذا التعقيد، يبقى السؤال الأهم:
هل نستخدم هذا الفهم لنــبـــرر ضعـــفنـــا… أم لنعيــــد بنــــاء وعـــيــــنا؟؟؟

 

العلاقات المريضة: حين تختل المعادلة بين الأخذ و العطاء

 

في ضوء هذا الفهم، تتضح لنا العلاقات المريضة لا بصخبها، بل بإختلال توازنها…
حين يعتاد طرف على العطاء بإستمرار، و يأخذ الآخر دون وعي أو تقدير أو إمتنان…
حين يتحول الحب إلى واجب، و الوجود إلى عـــبء و التقــدير إلــــى إنتـــظـــار…هنا يتدخل العقل الغير المدرب ليبــرر:

*”ربما علي أن أتحمل أكثر…”
*”ربما هذا هو الحب…”
*”ربما سيتغير…”

 

لكن الحقيقة التي يكشفها الوعي مع كامل الأسف هي:
أن الإستمرار في علاقة تستنزفك، ليس وفاءا… بل تغييبا لتقدير الذات و تحقيرا و تدميرا لها…بإحباط مساعيها النبيلة…

 

الوعي كأداة تحرر: كيف نحمي أنفسنا دون أن نفقد إنسانيتنا؟

 

العقل الذي لا يهزم لا يدعو إلى القسوة، بل إلى الإتزاااان…
لا إلى القطيعة، بل إلى الوضوووووح…
لا إلى الأنانية، بل إلى إحترااااام الذااااات…
و لتحقيق ذلك، نحتاج إلى وعي عملي:
-أن نصغي لأنفسنا كما نصغي للآخرين…
-أن نفرق بين التعاطف و التنازل…
-أن ندرك أن الحدود ليست رفضا للآخر… بل حماية للنفس…
فالإنسان الذي لا يضع حدودا، يجد نفسه مسافات أيهما إستغلال و مهانا أيهما إهانة من الآخرين دون قصد على تجاوزها…

 

تحرير القيمة الذاتية: حين لا نعود رهائن للتقييم الخارجي

 

من أخطر ما تنتجه العلاقات الغير المتوازنة، هو ربط القيمة الذاتية بنظرة الآخر…
ننتظر الشكـــر… نترقــب التقديــر… نبحث عن الإمتنان…فإن حضر، حل الإطمئنـــان… و إن غاب، تألمت المشاعر و إهتــز الكيان…
لكن العقل الواعي يدرك أن:
القيمة لا تمنح… بل تبنى من الداخل.
فمن ينتظر تصفيق الآخرين، سيظل صوته خافتا و باهثا…فاقدا للثقة، باحثا على بوصلة الحضور و الإعجاب في نظرة و حكم الآخر…إنها تبعية صامتة خادشة للوجود بنعومة/عنيفة…و من يؤسس قيمته على وعيه، لن تهزه تقلبات المزاج الخارجي و لن تؤثر فيه رياح العصف بكل المواسم…لأنها تبنى على توكيدات إثبات الذات للذات دون مغالاة…

 

القرار الحاسم: حين نختار أنفسنا دون ضجيج

 

ليس التغيير صرخة، بل قرار….و ليس كل قرار مواجهة، بل أحيانا يكون صمتا واعيا… أو إنسحابا كريما حضاريا… أو إعادة تعريف للعلاقة بتبصر و مجهر حكيم…و بأسلوب راقي و حليم…
فالعقل الذي لا يهزم لا ينتظر الإنهيار، بل يتحرك عند أول إشارات الإستنزاف…
يراجع، يقيم، يحلل، يفسر و يشرح ثم يختار… لا بدافع الغضب، بل بدافع الوعي الثاقب الواثق في القرار…

فالجواب الذي يتشكل فينا الآن بعد كل ما قدمناه عن السؤال الذي بدأنا به: هل نملك الوعي لتمييز العلاقات؟؟؟
و هل نملك الشجاعة لإختيار أنفسنا؟؟؟
الجواب لا يقال… بل يعاش…يــعـاش حين نرفض أن نكون نسخة لأهواء الأخرين، نسخة تعمل بتليكوموند الآخر لإرضائه على حساب حقيقتنا، و إنتمائنا و هويتنا و تعريفنا الكامل: ككيان و قناعة و معتقدات و كإنسان خلق من رب العالمين ليستخلف بحرية مقننة و بعقل موظف…
حين ندرك أن التعقيد الذي نحمله ليس عذرا للضياع، بل فرصة للفهم، و حين نعلن، بهدوء وثبات، أننا سنكون أوفياء لأنفسنا و مباديئنا و قيمنا، قبل أي سعي منا للحفاظ عن أية علاقة كيفما كانت طبيعتها…

فالعقل الذي لا يهزم… ليس ذلك الذي يفهم فقط…بل ذلك الذي يختار…ثم يلتزم بإختياره…يختار إنسانيته الكريمة و الواعية…و هنا، فقط، نعم هنا فقط…لا نخسر العلاقات…
بل نكسب أنفسنا بكل تقدير و إحترام و نفرض هذا الأخير على الطرف الثاني في العلاقة، دون السقوط في موجات التأنيب و لا جلد الذات و لا دون بثر الروابط…

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!