إيران تنتصر وسقوط وهم الحماية الأمريكية
بقلم *محمد الغفري ـ المغرب
في لحظة مهمة في المنطقة، لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مجرد احتكاك عسكري عابر. بل تحولت إلى اختبار شامل لموازين القوة والإرادة السياسية. والنتيجة، كما تكشفها الوقائع، لم تكن مجرد صمود إيراني. بل إعادة رسم عميقة لقواعد الاشتباك في المنطقة. عنوانها الأبرز هو تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود نموذج الرفض للإملاءات ، الصهيونية الأمريكية.
أولاً: الإخفاق العسكري وتبدد الردع .
لم تنجح الولايات المتحدة في تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية المعلنة. لم يحدث أي تغيير في بنية النظام الإيراني. ولم يتم كسر محور حلفائه. ولا حتى القدرة على فرض سيطرة فعلية على مجالات حيوية مثل ملف الطاقة أو الممرات البحرية. على العكس، أظهرت التطورات الميدانية حدود القوة الأمريكية. وكشفت أن التفوق التكنولوجي لا يعني بالضرورة تحقيق حسم سياسي أو عسكري. بل إن سيناريو التراجع بات مطروحاً، مع تزايد الحديث عن تفاوض يؤدي إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وذلك مقابل تثبيت معادلات جديدة تميل لصالح طهران، خصوصاً في ما يتعلق بمضيق هرمز..
ثانياً: عزلة سياسية مقابل اختراق إيراني على المستوى الدبلوماسي.
بدا المشروع الأمريكي فاقداً للزخم. كان هناك فشل واضح في حشد دعم أوروبي أو عربي متماسك. كما ظهر تردد داخل دوائر كانت تُعتبر تقليدياً ضمن الفلك الأمريكي. في المقابل، نجحت إيران في امتصاص الضغوط وتفكيك محاولات عزلها. حيث حافظت على استقلال قرارها في ملفات حساسة، وعلى رأسها البرنامج النووي والصاروخي. يعزز هذا التحول موقفها كفاعل إقليمي يصعب احتواؤه أو إخضاعه.
ثالثاً: التآكل الداخلي في الجبهة الأمريكية .
لم تعد الأزمة خارجية فقط، بل امتدت إلى الداخل الأمريكي نفسه. تصاعدت الانقسامات السياسية، وبرزت حالة تململ داخل المؤسسات، سواء على المستوى العسكري أو الشعبي. رهانات إسقاط النظام الإيراني عبر الضغط الشعبي سقطت. بينما أظهرت الوقائع التفافاً داخلياً إيرانياً حول الدولة في وقت المواجهة. ( حماية الايرانيين لمنشٱت بلادهم باحسادهم …) في المقابل، شهد الداخل الأمريكي احتجاجات وانتقادات لسياسات التصعيد. ما يعكس أزمة ثقة متنامية في جدوى هذه المغامرات الخارجية.
رابعاً: انهيار الصورة الرمزية .
لطالما قامت القوة الأمريكية على مزيج من الردع العسكري والهيبة الرمزية. ومع ذلك، كشفت هذه المواجهة عن تصدعات عميقة في هذه الصورة. أمام إصرار إيراني واضح على رفض الإملاءات، تراجعت صورة “القوة التي لا تُرد”. وحلت مكانها صورة أكثر هشاشة، عاجزة عن فرض شروطها رغم كل أدوات الضغط. حتى الخطاب التصعيدي، الذي بلغ حد التهديد بتدمير شامل، بدا أقرب إلى تعبير عن العجز بدلاً من كونه مؤشراً على القوة.
خامساً: ارتدادات إقليمية ورسائل للأنظمة التابعة.
لا يمكن فصل هذه المواجهة عن دور إسرائيل، التي دفعت نحو التصعيد، ولا عن وضعها الحرج في ظل النتائج. كما تحمل نتائج هذه الحرب رسائل مباشرة للأنظمة التي راهنت طويلاً على الحماية الأمريكية.
الدرس الأبرز هنا هو أن الاعتماد الخارجي لا يصنع أمناً دائماً. كما أن بناء القوة الذاتية، علمياً واستراتيجياً، هو الخيار الوحيد القادر على ضمان الاستقرار والسيادة.
خلاصة : ما جرى ليس مجرد جولة في صراع مفتوح، بل لحظة كاشفة لتحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي. إيران، من خلال صمودها، لم تفرض نفسها فقط كقوة يصعب كسرها، بل ساهمت في تقويض سردية الهيمنة المطلقة. وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة بعنوان: تعدد مراكز القوة، وانكسار منطق الإملاء.
محمد الغفري
*المنسق الوطني للشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب
المنسق الوطني السابق للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع
عضو سكرتارية التنسيقية الشعبية العربية لمقاومة التطبيع
عضو اللجنة المركزية للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلي (IACA) رام الله



























