الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

الدين والسياسة في الصراعات الكبرى:

تحليل نقدي للصراع الإيراني–الإسرائيلي–الأمريكي والدور الرمزي للدين في العالم العربي

 

 

بقلم ذ. محمد السميري ـ الدار البيضاء

 

منذ عقود، ظل الخطاب السياسي في العالم العربي يميل تلقائيًا إلى تفسير الصراعات الكبرى من منظور ديني–رمزي بحت، حتى صارت الأحداث الجيوسياسية، النزاعات الإقليمية، والتوترات بين القوى الكبرى تُقرأ بوصفها صراعات عقائدية أصيلة. في هذا التحليل النقدي، يظل السؤال المركزي قائمًا: لماذا يفسر الإنسان العربي كل شيء تقريبًا بالدين؟ هل يعود ذلك إلى التدين الفردي فقط؟ أم أن هناك أسباب بنيوية وتاريخية وسوسيولوجية أعمق تجعل هذا الإطار التفسيري دائم الظهور؟
يفترض هذا التحليل أن تفسير الأحداث الكبرى في الوعي العربي بدرجة كبيرة كصراعات دينية ليس انعكاسًا دقيقًا للواقع، وإنما نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية أدّت إلى استخدام الدين كمرجعية أولى في تشكيل المعنى. وسنرى أن الدين في هذا السياق يعمل كـ خطاب تعبوي سياسي–ثقافي أكثر من كونه سببًا جوهريًا للصراعات المعاصرة.

 

  • الدين كأداة خطابية في الصراع الإيراني–الإسرائيلي–الأمريكي

عند مراجعة التطورات الكبرى في الشرق الأوسط منذ منتصف القرن الماضي، يتضح أن الصراعات الحقيقية — مثل التنافس بين إيران من جهة، والولايات المتحدة–إسرائيل من جهة أخرى — لها أبعاد سياسية وجيوستراتيجية واضحة. هذا لا يمنع من وجود اختلافات عقائدية مذهبية، لكنه يجعل هذه الاختلافات إطارًا تعبويًا يُستدعى لتثبيت المواقف، وليس سببًا حقيقيًا للصراع في جوهره.
في حرب يونيو 1967، استخدم الخطاب الرسمي والإعلامي الإسرائيلي البعد الديني لإضفاء شرعية رمزية على الاحتلال والتوسع في الضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال كلمات مثل “استعادة الأرض المقدسة”. ومع أن هذه التعبيرات تحمل إشارات دينية، فإن الهدف الاستراتيجي الحقيقي كان تثبيت الأمن والسيطرة على موارد ومراكز استراتيجية ضمن صراع نفوذ مع القوى المحيطة.
في المقابل، توظف الولايات المتحدة الدين أحيانًا كأداة تعبوية داخلية لتبرير تحالفاتها، كما ظهر في خطوة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في عام 2018 في عهد دونالد ترامب، حيث ظهرت طقوس ودعوات دينية في الخطاب العام، وعلى الرغم من أن إيران اعتبرت هذه الخطوة جزءًا من سعي لإضعافها إقليميًا، فإن الدافع الأساسي للقرار كان سياسيًا واستراتيجيًا لدعم حليف رئيسي في المنطقة، وليس موجّهًا ضد إيران لأسباب دينية بحتة،
فإيران نفسها تستدعي أحيانًا خطابًا دينيًا في التعبئة، مثل مفهوم “المستضعفين ضد الاستكبار”، لكنه لا يفسر وحده الأهداف الحقيقية لسياستها في العراق، وسوريا، ولبنان، حيث تلعب الاعتبارات الجيوسياسية دورًا أكثر بروزًا من التحولات العقائدية.

 

  • الصراع السني–الشيعي: تاريخ سياسي أكثر من بيئة عقائدية خصبة

يكثُر في التحليل الشعبي الحديث أن الصراع بين السُّنة والشيعة يعود إلى اختلافات عقائدية جوهرية منذ القرون الأولى للإسلام، لكن الدراسات التاريخية تظهر أن البُعد السياسي كان حاضرًا منذ بداية التفاعل بين الطائفتين، وأن الدين في كثير من الأحيان وُظِّف لإضفاء شرعية على مواقف سياسية واجتماعية،
فعلى مدار التاريخ، كثيرًا ما وجدت الطوائف الشيعية نفسها في موقع الخصم والممانعة ا تجاه أنظمة سائدة تمثل توجهًا سنيًا سياسيًا. في هذا السياق، لعبت الرموز الدينية دورًا في تعبئة الجماهير ودعم مطالب اجتماعية وسياسية محددة، وليس في خلق صراع عقائدي جديد. أما في العصر الحديث، فقد استُخدمت الطائفية كاطار رمزي في صراعات إقليمية مثل النزاع في اليمن منذ عام 2015، حيث برز الخطاب الطائفي في الإعلام السعودي، بينما كان الصراع في جوهره صراع نفوذ إقليمي وتوازنات مصالح بين أطراف متعددة.

 

  • لجذور التاريخية للصهيونية: الأسطورة كأداة تعبئة

فهم الصهيونية الحديثة يقدم مثالًا واضحًا على كيفية دمج الأساطير المؤسسة بالدين لتشكيل وعي جماهيري يخدم مشروعًا سياسيًا. منذ أواخر القرن التاسع عشر، سعى مؤسسو الصهيونية إلى الربط بين فكرة “الوعد الإلهي بالأرض” وبين التطلعات القومية للهجرة والاستيطان، ليس كقضية دينية فقط، بل كأداة أيديولوجية لإضفاء شرعية على مشروع سياسي واقتصادي واضح.
هذه الوظيفة الأيديولوجية للأسطورة تتضح أكثر عندما نرى ردود الفعل على النقد الفكري لهذا المشروع، حيث تم الهجوم على كتابات روجي غارودي عن الصهيونية، ما يكشف عن حساسية المشروع تجاه أي محاولة لتفكيك البنية الأسطورية المصلحية التي يستند إليها، ويبرز الدور الذي تلعبه الأساطير المؤسسة في تثبيت الوعي الجماهيري.

 

  • الدين في التاريخ الطويل: من الحروب الصليبية إلى الاستعمار

لا يقتصر استخدام الدين كأداة خطابية على العصر الحديث. في الحروب الصليبية (1095–1291)، قدّم المؤرخون الأوروبيون هذه الحروب على أنها “حروب مقدسة”، بينما كانت دوافعها الحقيقية في كثير من الحالات السيطرة على طرق التجارة والحفاظ على الاستقرار داخل أوروبا الغربية. وبالمثل، استخدم الاستعمار الأوروبي الدين كغطاء لشرعنة الهيمنة والاستغلال، بينما كانت الأهداف الحقيقية سياسية واقتصادية.
هذه التجارب التاريخية الطويلة تُظهر أن الدين غالبًا ما يُستدعى لإضفاء شرعية معنوية فوقية لإخفاء مصالح سياسية واقتصادية، وهي آلية تعيد إنتاج نفسها في مجتمعات متعددة وعبر العصور.

 

  • التفسير السوسيولوجي والتاريخي والنفسي للهيمنة الدينية في الوعي العربي

لفهم استمرار تفسير الصراعات الكبرى بالدين في العالم العربي، يمكن الاستعانة برؤية محمد عابد الجابري التي تشدد على أن السياسة هي الإطار الأساسي لفهم التاريخ العربي. فالتاريخ العربي لا يمكن فهمه كما نفهم التاريخ الأوروبي، إذ أن الدين والعقيدة لم يكونا قوى مستقلة، بل مرتبطة بالسلطة والسياسة بشكل مباشر. الصراعات العقدية والدينية غالبًا ما تعكس تراكمات سياسية واجتماعية وليس سببها الجوهر الديني بحد ذاته، وهو ما يجعل خصوصية التاريخ العربي تكمن في أن السياسة تفسر العقائد أكثر من ان العقائد تفسر السياسة.
إلى جانب ذلك، يوضح التحليل السوسيولوجي والتاريخي أن تفسير الأحداث بالدين ينبع من تراكم مراجع ثقافية تاريخية، حيث انخرط المجتمع العربي، نتيجة خبراته الطويلة مع الاستعمار والحروب والتحولات السياسية، في مخزون ثقافي مركّز حول الرموز الدينية، ما جعلها إطارًا أوليًا لتفسير الأحداث. كما أن غياب أدوات التحليل المؤسساتي الحديث جعل الدين المرجع الأسهل لتفسير التعقيدات السياسية والاجتماعية. ومن ناحية نفسية، يرتبط الدين بالقيم الأخلاقية والمقدسات، مما يمنح الأفراد شعورًا بالأمان المعنوي والهوية الجماعية، ويجعل تفسير الأحداث عبره أكثر راحة نفسية مقارنة بالتحليلات التقنية أو الجيوسياسية المعقدة. إضافة لذلك، تعزز التنشئة المعرفية التقليدية، التي ركزت على القصص الرمزية والأساطير أكثر من التحليل النقدي، هذا الميل لتفسير الأحداث عبر الدين.

 

خاتمة

يتضح من تحليل الصراع الإيراني–الإسرائيلي–الأمريكي، ومن دراسة الصراع السني–الشيعي في العالم العربي، أن الدين في كثير من الأحيان لم يكن سببًا جوهريًا للنزاعات، بل أداة خطابية تعبويّة تُستدعى لتبرير المواقف السياسية وتحقيق مصالح السلطة. فقد وظفت إسرائيل والدول الكبرى الدين والرموز الدينية لتثبيت نفوذها وتبرير سياساتها الاستراتيجية، بينما استخدمتها إيران لتعبئة الداخل وتحقيق أهداف جيوسياسية، كما برزت الطائفية في بعض الدول العربية كوسيلة لإخفاء المصالح الحقيقية وراء غطاء ديني.
كما أظهرت الجذور التاريخية للصهيونية والأساطير المؤسسة التي ربطت الدين بالقومية، إلى جانب الخبرات التاريخية للحروب الصليبية والاستعمار الأوروبي، أن الدين غالبًا ما يُستدعى لإضفاء شرعية معنوية على مصالح سياسية واقتصادية. وفي ضوء ذلك، يصبح تفسير الصراعات الكبرى في وعي الإنسان العربي عبر الدين ليس نتيجة غلبة التدين وحده، بل انعكاسًا لتراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية، واليات للتعبئة الرمزية التي طورتها السلطة والهيمنة عبر العصور.
إن هذا الفهم النقدي يمكّن من قراءة الصراعات المعاصرة، بما فيها التحالفات الدولية والدور الإقليمي للدول العربية، بطرق متعددة الأبعاد (سياسية–اقتصادية–جيوستراتيجية–تاريخية)، ويضع إطارًا لفهم الواقع بعيدًا عن الاختزال الديني الذي غالبًا ما يحجب العلاقات الحقيقية بين القوى والمصالح، ويعرّي الاستخدام الرمزي للدين في السياسة المعاصرة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!