حدود النظرية النقدية
هابرماس والقضية الفلسطينية وإشكالية النقد في مدرسة فرانكفورت
محمد السميري – الدار البيضاء
مقدمة: رحيل هابرماس وإعادة مساءلة النظرية النقدية
شكّل رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس سنة 2026 عن عمر ناهز ستةً وتسعين عامًا مناسبة لإعادة النظر في الإرث الفكري الذي تركه، وفي حدود المشروع الفلسفي الذي مثّله داخل مدرسة فرانكفورت. فقد ارتبط اسم هابرماس طوال عقود بما عُرف بـ«النظرية النقدية»، التي قدّمت نفسها بوصفها مشروعًا فلسفيًا يسعى إلى تحرير الإنسان من أشكال الهيمنة التي تنتجها المجتمعات الحديثة.
غير أن التطورات السياسية المعاصرة، ولا سيما المواقف الأوروبية من القضية الفلسطينية، أعادت طرح أسئلة عميقة حول حدود هذا المشروع. فقد عبّر هابرماس في أكثر من مناسبة عن موقف داعم لإسرائيل خلال الحروب على غزة، مبررًا ذلك بما اعتبره حقًا في الدفاع عن النفس. وقد أثار هذا الموقف جدلًا واسعًا لأنه بدا متناقضًا مع الخطاب الكوني لحقوق الإنسان الذي دافع عنه طوال مسيرته الفكرية.
ومن هنا تبرز إشكالية هذا المقال:
هل تمثل النظرية النقدية بالفعل مشروعًا فلسفيًا لتحرير الإنسان من الهيمنة، أم أنها – رغم خطابها النقدي – تظل محكومة بالأفق الليبرالي الأوروبي وتتكيف في النهاية مع النظام الرأسمالي الغربي ومصالحه السياسية؟
مدرسة فرانكفورت وتحول النقد من الاقتصاد إلى الثقافة
نشأت مدرسة فرانكفورت في سياق أزمة عميقة عرفتها أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، خاصة بعد صعود الفاشية والحربين العالميتين. وقد قاد المشروع الفكري للمدرسة مفكرون مثل ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، الذين سعوا إلى تطوير ما سموه «النظرية النقدية» بهدف فهم أشكال السيطرة في المجتمع الحديث.
غير أن هذا المشروع عرف منذ بدايته تحوّلًا مهمًا. فبدل الاستمرار في تحليل البنية الاقتصادية للرأسمالية كما فعل كارل ماركس، اتجه مفكرو المدرسة تدريجيًا نحو التركيز على الثقافة والإيديولوجيا والوعي. وقد تجلى هذا التحول بوضوح في كتاب جدل التنوير، حيث ركز أدورنو وهوركهايمر على نقد العقل الأداتي وصناعة الثقافة في المجتمعات الحديثة.
هذا التحول من نقد الاقتصاد السياسي إلى نقد الثقافة أدى إلى نتيجة مهمة: فقد أصبح نقد الرأسمالية في النظرية النقدية نقدًا محدودًا يركز على مظاهرها الثقافية والإيديولوجية دون تحليل جذورها الاقتصادية العميقة. وبذلك تحوّل المشروع النقدي تدريجيًا إلى خطاب فكري يسعى إلى إصلاح الرأسمالية بدل تجاوزها.
هابرماس والنقد الإصلاحي للرأسمالية
يمثل فكر يورغن هابرماس المرحلة المتأخرة من تطور مدرسة فرانكفورت. ففي أعماله، وخاصة في كتابه نظرية الفعل التواصلي، حاول إعادة بناء المشروع النقدي على أساس مفهوم «العقل التواصلي» والحوار داخل المجال العام.
لكن هذا التصور يفترض وجود شروط متكافئة للحوار بين الفاعلين الاجتماعيين، وهو افتراض يصعب الدفاع عنه في عالم تحكمه تفاوتات هائلة في القوة الاقتصادية والعسكرية. فالنظام الدولي المعاصر لا يقوم على الحوار المتكافئ، بل على علاقات قوة غير متوازنة بين الدول والمجتمعات.
ومن هنا يرى كثير من النقاد أن فلسفة هابرماس تمثل انتقالًا من النقد الراديكالي للرأسمالية إلى نقد إصلاحي يسعى إلى تحسين أداء الديمقراطية الليبرالية دون المساس بالبنية الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي.
القضية الفلسطينية وحدود الكونية الأوروبية
تتجلى حدود هذا الأفق الفكري بوضوح في موقف هابرماس من القضية الفلسطينية. فبينما دافع الفيلسوف الألماني طوال مسيرته عن الكونية الأخلاقية وحقوق الإنسان، فإن مواقفه السياسية خلال الحروب على غزة بدت منحازة بوضوح إلى إسرائيل، مع تجاهل السياق الاستعماري الطويل للصراع.
هذا التناقض يعكس مشكلة أعمق في الفكر الأوروبي الحديث. فالقيم التي تقدم بوصفها «كونية» غالبًا ما تطبق بطريقة انتقائية وفقًا لموقع الفاعلين داخل النظام الدولي. ففي حين تحظى بعض المآسي التاريخية الأوروبية، مثل الهولوكوست، بمكانة مركزية في الذاكرة الأخلاقية الأوروبية، يتم في المقابل تهميش مآسي أخرى وقعت خارج أوروبا، مثل تاريخ الاستعمار أو معاناة الشعب الفلسطيني.
وقد أشار مفكرون مثل إدوارد سعيد إلى أن الخطاب الثقافي الأوروبي كثيرًا ما يعيد إنتاج علاقات الهيمنة حتى عندما يدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية.
مثال تاريخي: الإصلاح بدل النقد الجذري
هذا النوع من النقد الإصلاحي ليس جديدًا في تاريخ الفكر الأوروبي. ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت داخل الحركة الاشتراكية الأوروبية تيارات عُرفت باسم «الاشتراكية الإصلاحية»، ارتبطت بأعمال المفكر الألماني إدوارد برنشتاين. وقد دعا برنشتاين إلى التخلي عن فكرة الثورة الاجتماعية والعمل بدل ذلك على إصلاح النظام الرأسمالي تدريجيًا.
يشبه موقف مدرسة فرانكفورت إلى حد بعيد هذا التحول التاريخي. فبدل تحليل الرأسمالية بوصفها نظامًا عالميًا قائمًا على الاستغلال وعدم المساواة، ركزت النظرية النقدية على نقد مظاهرها الثقافية داخل المجتمعات الغربية. وهكذا أصبح المشروع النقدي في نهاية المطاف جزءًا من النقاش الداخلي داخل الديمقراطيات الليبرالية، بدل أن يكون نقدًا جذريًا للنظام العالمي.
خاتمة: حدود النقد في الفكر الأوروبي
تكشف القراءة النقدية لإرث مدرسة فرانكفورت عن مفارقة أساسية في الفكر الأوروبي الحديث. فالمشروع الذي قدم نفسه بوصفه فلسفة لتحرير الإنسان من السيطرة انتهى في كثير من الأحيان إلى إنتاج خطاب فكري ينسجم مع الأفق الليبرالي الغربي.
لقد أظهرت المواقف السياسية المعاصرة، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أن الكونية التي دافعت عنها الفلسفة الأوروبية ليست دائمًا كونية فعلية، بل كونية مشروطة بحدود المركز الأوروبي.
ومن هنا فإن تجاوز هذا المأزق يتطلب إعادة التفكير في مفهوم «النقد» نفسه. فالنقد الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على تحليل تناقضات المجتمعات الغربية من الداخل، بل يجب أن يضع في مركز تحليله التاريخ العالمي للاستعمار وعلاقات القوة التي شكلت العالم الحديث.



























