الإنسان بين فكي النار: قراءة في المأزق الإنساني في ظل الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية و تداعياتها على العالم
الحلقة الخامسة عشر من سلسلة شذرات فكرية
بقلم ذة: نجاة زين الدين
لم يعد العالم اليوم يعيش مجرد توتر إقليمي عابر، بل إنه يقف على حافة مرحلة تاريخية خطيرة تتشابك فيها الصراعات العسكرية مع الحسابات الجيوسياسية و الإقتصادية الكبرى. فمع إشتعال المواجهة بين إيران و إسرائيل، و ما يرافقها من إنخراط غير مباشر – و أحيانا مباشر – من قبل الولايات المتحدة و القوى الدولية الأخرى، لم يعد الصراع محصورا في حدود الجغرافيا، بل تحول إلى أزمة إنسانية عالمية تمس مستقبل الأمن البشري في أعمق معانيه.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل للصواريخ أو إستعراض للقوة العسكرية، بل هو تجل واضح لأزمة أعمق في النظام الدولي، حيث تتراجع القيم الإنسانية أمام منطق القوة و المصالح الإستراتيجية و الجشع اللامحدود بغية تركيع البشرية لمنطقة الطغيان و إستيلاب حق الوجود و الحياة بعنجهية المتفوق و التسيد، و بين هذه الحسابات المتشابكة، و بين وصولية الأنا المرتفعة يجد الإنسان العادي نفسه الحلقة الأضعف في معادلة لا صوت فيها لصرخات المدنيين و لا مكان فيها لحقوق الشعوب.
أولا: إنهيار فكرة الأمن الإنساني:
لقد تأسس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة بسيطة لكنها عميقة المدلول و المضمون ب:
أن أمن الدول لا ينبغي أن يتحقق على حساب أمن الإنسان، لكن الواقع الراهن يكشف أن هذه الفكرة أصبحت مجرد شعار أخلاقي جميل لا يجد طريقه إلى التطبيق و لا صداه في أذان الطغاة.
فالحروب الحديثة لا تميز بين جندي و مدني، و لا بين مدينة عسكرية و حي سكني، فالصواريخ و الطائرات المسيرة و الضربات السيبرانية باتت أدوات عمياء تترك آثارها المدمرة على المجتمعات البشرية بأكملها.
ففي خضم الحرب الدائرة بين إيران و إسرائيل، لم يعد الخطر مقتصرا على ساحة المواجهة المباشرة، بل إمتد إلى محيط إقليمي واسع يشمل دول الشرق الأوسط برمتها، بل و يهدد الأمن الغذائي العالمي عبر إضطراب الأسواق و إرتفاع منسوب التوتر الدولي بل أكثر من هذا و ذاك يهدد كل الحياة الإنسانية بتهور حمق التعصب الديني و السياسي.
ثانيا: الشرق الأوسط في قلب العاصفة:
لطالما كان الشرق الأوسط منطقة تقاطع للمصالح الكبرى، لكن التطورات الأخيرة جعلته أقرب إلى برميل بارود مفتوح على إحتمالات الإنفجار المدوي بدون رحمة: فالمواجهة بين إيران و إسرائيل ليست مجرد صراع ثنائي، بل تتداخل فيها شبكات التحالفات الإقليمية و الدولية، و الهيمنة المطلقة و منطق المصالح و النفعية، فإلى جانب الدعم العسكري و السياسي الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، هناك شبكة من القوى الإقليمية المتحالفة أو المتقاطعة المصالح مع إيران( الصين و روسيا) دائما بدافعية المصلحة لا غير.
هذا التشابك يجعل أي تصعيد عسكري محدود قابلا للتحول سريعا إلى صراع إقليمي أوسع، و هو ما يهدد إستقرار دول عديدة في المنطقة، و يعرض ملايين البشر لمخاطر النزوح و الفقر و إنعدام الأمن الغذائي، بل الإنذار بأزمة إقتصادية و سياسية خطيرة…
ثالثا: الإقتصاد العالمي تحت ضغط الحرب:
لا تخاض الحروب الحديثة في ساحات القتال فقط، بل تمتد آثارها إلى الإقتصاد العالمي بأسره.
فمنطقة الشرق الأوسط تمثل أحد أهم مراكز الطاقة في العالم، و أي اضطراب في أمن هذه المنطقة ينعكس مباشرة على أسعار النفط و الغاز، و على حركة التجارة العالمية، و على إستقرار الأسواق المالية.
و مع كل تصعيد عسكري، ترتفع تكاليف الطاقة و النقل، مما يؤدي إلى موجات تضخم تضرب إقتصادات الدول الفقيرة قبل الغنية…و بهذا يتحول الصراع العسكري في منطقة معينة إلى عبء إقتصادي ثقيل على مليارات البشر حول العالم.
رابعا: الإنسان… الضحية الصامتة:
وسط ضجيج الخطابات السياسية و تحليلات الخبراء العسكريين، و كل الأصوات المرتفعة هنا و هناك غالبا ما يغيب الوجه الحقيقي لضحية هذه الحروب: الإنسان أينما وجد….فالمدنيون هم أول من يدفع ثمن الصراع:
مدن تدمر، عائلات تتشتت، أطفال يكبرون تحت هدير الطائرات بدل أصوات المدارس…الحرب لا تقتل البشر فقط، بل تقتل أيضا أحلامهم و مستقبلهم و تنتج أجيالا معطوبة نفسيا و وجدانيا، و مما يزيد من مأساوية المشهد أن العالم بات يتعامل مع المآسي الإنسانية بلغة الأرقام و الإحصاءات فقط، بينما تختفي خلف هذه الأرقام حكايات إنسانية موجعة لا يسمعها أحد…تتردد في كواليس الذات و مونولوغات غريبة قد تقود الضحايا إلى إهتزازات نفسية مريبة و عجيبة…
خامسا: إزدواجية المعايير في النظام الدولي:
إن أحد أبرز مظاهر الأزمة الأخلاقية في العالم المعاصر هو التفاوت الصارخ في التعامل مع الأزمات الإنسانية.
فبينما تتحرك المؤسسات الدولية بسرعة في بعض النزاعات، تبدو عاجزة أو صامتة في نزاعات أخرى، بحسب المصالح السياسية للقوى الكبرى…ليتجسد لنا بالملموس لمصلحة من تتحرك؟؟؟
فهذه الإزدواجية في المعايير، و أسلوب الكيل بمكياليين يضعف الثقة في القانون الدولي و تفقد معه المؤسسات العالمية شرعيتها الأخلاقية، مما يفتح الباب أمام منطق القوة بدل منطق العدالة، و منطق التمييز بدل منطق الحكامة و خدمة المجتمع الإنساني…
سادسا: إلى أين يتجه العالم الآن؟
إن العالم اليوم يعيش مرحلة إنتقالية بين نظام دولي قديم يفقد قدرته على التحكم في الأحداث، و نظام جديد لم تتضح ملامحه بعد،. لكن بوادر تقسيماته الجيوسياسية تنبيء بخريطة عالمية جديدة.
ففي هذه المرحلة المضطربة، تزداد مخاطر الإنزلاق إلى صراعات أوسع، خاصة مع تزايد سباق التسلح و تطور التقنيات العسكرية.
لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن اللحظات الأكثر ظلمة قد تكون بداية لتحولات كبرى. فالحروب الكبرى في الماضي دفعت البشرية إلى إعادة التفكير في منظومة العلاقات الدولية، و أسفرت عن إنشاء مؤسسات تهدف إلى منع تكرار المآسي.
إن أخطر ما في الحروب المعاصرة ليس قدرتها على التدمير فقط، بل قدرتها على التطبيع مع العنف في الوعي الإنساني، فحين يصبح مشهد الدمار مألوفا في نشرات الأخبار، يبدأ الضمير العالمي في التبلد و الإستئناس برؤية الأشلاء و مسابح الدماء دون تأثر، و إن كان الإنعكاس النفسي لذلك جد جد وخيم.
إن حماية الإنسان اليوم لم تعد مجرد مسؤولية الحكومات أو المؤسسات الدولية، بل أصبحت قضية أخلاقية كونية تتطلب إعادة بناء النظام الدولي على أساس العدالة و المساواة بين الشعوب و إحترام سيدات الدول.
فالعالم الذي تحكمه الصواريخ لا يمكن أن يعرف السلام، و مادمت هناك شركات لإنتاج السلاح فإن الدماء لن تتوقف عن النزيف…و النظام الدولي الذي تحكمه المصالح وحدها لا يمكن أن يحمي الإنسان.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحا أمام ضمير البشرية:
هل سيتعلم الإنسان من مآسيه المتكررة، أم سيظل يسير مرة بعد أخرى نحو الحافة ذاتها التي سقط فيها منذ سنوات سابقة…؟؟؟



























