🚦 حين تعلم الإنسان الوقوف… قبل أن يتعلم العبور🚦
الحلقة الرابعة عشر من سلسلة “شدرات فكرية”
بقلم ذة. نجاة زين الدين
في سنة 1868، و على مقربة من مبنى البرلمان في لندن، إرتفعت أول إشارة لتنظيم السير، من إبتكار المهندس البريطاني جون بيك نايت: كانت بسيطة، يدوية التشغيل، تستعير من السكك الحديدية منطقها: قف… تمهل… ثم أعبر…
غير أن المصباح الغازي إنفجر بعد أسابيع، و كأن التجربة الأولى أرادت أن تقول للبشرية: إن النظام لا يولد كاملا، و بأن الطريق إلى الإنضباط غالبا ما يكون محفوفا بأخطاء البدايات…
ثم مضت الأعوام، و تكاثرت العربات و السيارات و الإختراعات فضاقت المدن بأنفاسها و حركيتها اللامعتادة… إلى أن ظهرت من جديد في كليفلاند سنة 1914، الإشارة الكهربائية الأولى على يد جيمس هوغ… حينها صار الضوء لا يدار بالغاز بل بالطاقة، و لا يترك للإجتهاد الفردي بل يضبط بمنطق أكثر دقة و تقنية… فكان بذلك إيذانا بمرحلة جديدة: حين أدرك الإنسان أن الفوضى لا تروض إلا بقواعد ثابتة و مدروسة و سليمة…
ثم جاءت سنة 1920 في ديترويت، فأضاف ويليام بوتس اللون الأصفر، ذلك الضوء الوسيط بين إندفاع الأخضر و حزم و ضبطية الأحمر…ليكتمل الدرس الرمزي و الذي يبقى مفاده: الحياة ليست إندفاعا دائما، و لا توقفا أبديا، بل بينهما مساحة ترو و إتزان إجبارية لإنقاد سلامة الأرواح.
هكذا تطورت إشارات المرور، من ذراع ميكانيكي بسيط إلى نظام ذكي يدار بالحواسيب و الخوارزميات…
غير أن السؤال الذي يطل علينا اليوم بإلحاح ليس: كيف تطورت الإشارة؟؟؟ بل: لماذا تخلف الإنسان عن إشاراته الأخلاقية و هو الذي أبدع في إختراع إشارات الطرق لتنظيم سيرها و ضبط صخبها؟؟؟
لقد نجح البشر في تنظيم حركة الحديد، لكنهم أخفقوا في تنظيم حركة الضمائر…أضاءوالشوارع بالأحمر و الأخضر، و أطفؤوا في قلوبهم نور الحلال و تغافلوا عن قواعد كبح الحرام، فتناسوا الصدق و طبعوا مع الكذب و الزيف، فإستأنسوا بالتعايش مع الظلم و تناسوا العدل و حرفوا الحق و سكتوا عن الصدح به، خوفا من الخلق قبل مهابة الخالق…
صار الإعلام التافه يلوح بالأخضر لكل إنحراف، و يطفئ الأحمر أمام كل تجاوز، و تشطط و تجبر و يختزل الأصفر في ومضة عابرة لا تمنح لأي أحد فرصة المراجعة…
إن إشارات المرور لم توضع لتقييد الحرية، بل لحمايتها و تقنينها…فالأحمر ليس قهرا، بل صونا للأرواح و لقدسية الحياة و الوجود الذي قرره رب الأرباب و مسبب الأسباب، و الأصفر ليس خوفا، بل حكمة… و الأخضر ليس إنفلاتا، بل عبورا آمنا بغية دعم النظام و الإستقرار و الأمن و الأمان و كذلك لتحفيز إرتقاء القيم: لا كقيود للإنسان، بل كضمانات لتوسيع دائرة تنزيلها و تطبيق مزاياها الإنسانية…و به و عليه أتساءل عن أي مجتمع نتحدث هل عن هذا الذي يستهين بإشارة الوقوف الأخلاقي أم ذاك الذي يجب أن يركز عن كل مقومات النبل و القيم و المباديء؟؟؟ و عن أي زمن نتكلم هل عن هذا الذي يجعل الوصولية دهاء، و الإنتهازية مهارة، و غياب المبدأ “ذكاء إجتماعيا”، أم عن ذاك الذي يتمأسس بالعمل و الكفاح و النضال الجاد؟؟؟
لقد تحولت بعض المنابر إلى ساحات إستعراض للإنفلات بكل وقاحة، لتزين الرداءة فيها ببهرجة الصورة، و يلمع فيها التافه بسطوع الأضواء، حتى غدا الإنحدار مسابقة علنية، و الإلتزام تهمة ثقيلة…
إن الإنسان الذي لم يتعلم الوقوف عند حدود القيم، سيصطدم حتما في مفترق الحياة… و الأمة التي لا تحترم إشاراتها الأخلاقية بتبصر و بصيرة ستعيش دائما في إزدحام فوضى الحاضر، ليبقى القلق من المستقبل هو الهاجس، نعم هو ذاك حين يعلو الضجيج و يغيب تحديد الإتجاه بعقلنة و البوصلة بالثوابث، ليتيه بذلك الإنسان وسط السفالة و الإنحطاط الفكري و الإنزلاق السلوكي الذي قد يصبح مميتا للضمير أحيانا، عندما ترتكب أكبر الفضاعات و الجرائم الإنسانية تحت غرابة المبررات المريبة كفضيحة القرن الأخيرة: فضيحة جزيرة جيفري إبستين و ما أخفته شجرته من غابة كثيفة للفساد و الإتجار بالبشر…
. نحن في حاجة إلى إعادة نصب إشاراتنا الداخلية:
أحمر لإيقاظ الضمير أمام كل ظلم و تجبر و تزييف للحقائق و تصليب للعدالة و تلاعب بإنسانيتنا…
أصفر للتأمل قبل كل كلمة جارحة أو قرار متسرع أو حكم جائر أو بطش أو طغيان غائر أو تحالف آثم…
أخضر للعبور نحو ذاك الأمن و الأمان و الإستقرار المنشود لتجسير الخير، فحين يطمئن القلب و يستقيم الفعل، تزدهر فينا الإنسانية لتنتصر لنا لا علينا…
إننا كبشرية مكرمة من رب العباد، قطعنا من السنين ما قطعناه في تدرج في التطور بغية الإرتقاء بذواتنا لا العكس…إننا لسنا في حاجة إلى مزيد من الطرق السريعة نحو الشهرة، بل إننا في أمس الحاجة إلى مزيد من محطات التوقف للتصحيح، لمراجعة المواقف السخيفة و القرارات البائدة و الغريبة و المنافية للحياة…
إننا لسنا في حاجة إلى تضخيم الصوت، بل إلى تصحيح البوصلة و تسطير الوجهة الصائبة لإستقامة رباطة جأشنا، لتجسيد إستخلافنا فوق هذه البسيطة،إستخلاف فاعل و متفاعل لا مفعول به و متواطيء…
فالمدن تدار بالإشارات، أما القلوب فمن الواجب إدارتها بنبل القيم و المبادئ و الأخلاق الحميدة و تمثل حضور رب العباد في وجداننا في كل اللحظات و الخوف من عقابه و سخطه و غضبه…
و إن كانت إشارات المرور قد ولدت لتنظيم الحديد، فإن إشارات المنطق و ميزان القيم وصدق النوايا خلقوا لتنظيم الإنسان لينتصر الحق له لا عليه…
فهل نملك الشجاعة لنقف قليلا؟؟؟
فهل سنجرؤ على إعادة الإعتبار لضوء أحمر يحمينا من ظلالة أنفسنا قبل أن يحمينا من إنحرافات غيرنا؟؟؟
إنها ليست دعوة إلى التشدد، بل نداءا لتحقيق التوازن و الإتزان…
كما أنها ليست صرخة يأس، بل موقفا جريئا للتصحيح و التقويم.
فلنعد إلى حياتنا إشاراتها الأولى( نبلها، قيمها، هويتها، إنتماءها…الخ) قبل أن يتحول الطريق كله إلى فوضى عارمة لا تجدي معها الأضواء…
و في نفس سياق هذا الإختلال العجيب، لا يمكن إغفال مشهد آخر من مشاهد العبث المنظم: تسليع المشاعر و تحويل القيم النبيلة إلى مواسم للتخفيضات و إلى أسواق للنخاسة البشرية في عز التقدم التكنولوجي و الرقمي…لقد أبدعت الرأسمالية المتوحشة في إختراع مناسبات تسويقية عابرة للحدود، لا تكريما للإنسان، بل لإعادة تشكيله في صورة رقم إستهلاكي محض؛ رقم تقاس قيمته بقدر ما يشتري، لا بقدر ما يحسن فعله و وفق ما يستشعره من إحساس و مسؤولية إزاء كل مناحي الحياة…
و لعل المثال الأبرز هو ما آل إليه الإحتفاء بما يسمى بعيد الحب، الذي إرتبط تاريخيا بإسم القديس فالنتينوس، ليتحول في العصر الحديث إلى موسم بهرجة عالمي للبطاقات و الورود و الهدايا، ترعاه الشركات الكبرى و تضخمه الحملات الإعلانية، حتى غدا الحب—ذلك المعنى الإنساني الرفيع—مجرد نزوة تقاس بعدد العلب المغلفة، و سعر الباقات الحمراء، و صورة عابرة تلتقط تحت وسم رائج و براند تجاري حضر لمجاراة ظرفية الحدث في زمكانها المعلوم و المجهول…
إن الحب في جوهره عطاء يومي، و موقف أخلاقي، و مسؤولية رعاية و صدق و ثبات و إحترام و مودة و إحتواء في لحظات الضعف قبل القوة، لكن السوق لا يروق له هذا الشعار كترديد دائم، إنه يبحث عن الموسمية، عن الذروة السريعة، عن لحظة الشراء المكثفة و عن إنجازات الأرقام التي صارت تتحدث بدل التعابير اللسانية و الوجدانية الصادقة…ليختزل الشعور في يوم واحد بكم صرف و بكم بيع و لكن تم تداوله من رقم في المعاملات، و ليختصر الوفاء في هدية آنية، و يقايض الصدق بفاتورة تخدم تكتيكات و مخططات و شيطنة الرأسمالية الخطيرة…
إنها إشارة خضراء تمنح للإستهلاك، فيما يطفأ الأحمر أمام التساؤل: هل ما نشتريه حب أم صورة مزيفة عن هذا الحب الذي جوف من نبل صدقه؟؟؟
إننا هنا لسنا في خصومة مع الفرح أو في بحث مجنون عن سبل تبادل الهدايا؛ فالجمال مطلوب، و الرمز جميل، لكن الخلل يبدأ حين يختزل الرمز في سلعة، و يستبدل المعنى بالمظهر، و يربط الإحساس بقدرة شرائية و يختصر في رقم أو إهداء… عندها يصبح الإنسان موضوعا للتسويق، لا ذاتا حرة تحب و تبدع خارج مواسم التخفيض و التمييع و الإتجار بوجوده…
إن بوصلة التصحيح تقتضي منا أن نستعيد سيادتنا على مشاعرنا، و أن نرفض تحويلها إلى حملات إعلانية، و أن نضيء الأحمر حين تختطف منا القيم، لتباع في أسواق نخاسة البشرية المزيفة، و نفعل دور الأصفر حين تغزونا البهرجة السافلة، و نلجأ إلى الأخضر فقط حين ينسجم الفعل مع صدق المبدأ و نستسيغ صدق اللحظة و رزانة النتيجة…فالحب—ككل قيمة إنسانية نبيلة—ليس مناسبة عابرة، بل مسار حياة…و من لا ينتبه إلى إشارات المعنى، سيجد نفسه عابرا في طريق مزدحم بالشعارات المنمقة الكاذبة و الفارغة من الروح و من صلابة المضمون.



























