الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

من يملك حق كتابة التاريخ؟
عبد الله العروي وسؤال الذاكرة والسلطة في عالم عربي متحوّل

 

 

 

محمد السميري ـ المغرب

 

تمهيد

 

قد تبدو كلمة «التاريخ» للوهلة الأولى بسيطة وواضحة: أحداث وقعت في الماضي، دُوّنت في كتب، وانتهى الأمر. غير أن الأمر أعقد من ذلك بكثير. فطريقة سرد الماضي، واختيار ما يُذكر وما يُنسى، ومن يُقدَّم بطلاً ومن يُهمَّش، ليست مسائل بريئة أو محايدة. من هنا، لا يكون التاريخ مجرد حكاية عن الزمن المنقضي، بل أداة لفهم الحاضر، وأحياناً للسيطرة عليه.

 

هذا المقال محاولة لفهم إحدى أهم الإشكاليات الفكرية المعاصرة: من يكتب التاريخ؟ وبأي معايير؟ وذلك من خلال قراءة مبسطة وموسعة لمحاضرة ألقاها المفكر المغربي عبد الله العروي باللغة الفرنسية تحت عنوان «L’histoire vue d’ailleurs»، أعاد فيها طرح سؤال التاريخ من زاوية مغايرة للمألوف.

 

مقدمة: لماذا نعود إلى عبد الله العروي اليوم؟

أُلقيت محاضرة عبد الله العروي في سياق فكري يعود إلى أواخر القرن العشرين، وهي مرحلة شهدت تحولات عميقة: نهاية الاستعمار المباشر، بروز خطاب الهويات، وتزايد الشك في صلاحية المفاهيم التي أنتجها الغرب الحديث بوصفها مفاهيم كونية. في هذا المناخ، لم يعد سؤال التاريخ سؤالاً أكاديمياً صرفاً، بل أصبح سؤالاً سياسياً وثقافياً بامتياز.

 

يأتي هذا المقال في سياق إعادة صياغة مضمون تلك المحاضرة بلغة عربية تحليلية أقرب إلى المقال الصحفي الفكري، مع السعي إلى إخراج أفكار العروي من لغتها الأكاديمية المكثفة إلى فضاء أوسع، يسمح للقارئ غير المتخصص بمتابعتها وفهمها، دون الإخلال بعمقها النظري.

 

أولاً: التاريخ ليس بريئاً كما نعتقد

ينطلق العروي من فكرة بسيطة لكنها مقلقة: التاريخ، كما نتعلمه ونقرأه، ليس مجرد تسجيل محايد للأحداث، بل بناء فكري تشكل في سياق ثقافي محدد. فالتاريخ الحديث، بصيغته المعروفة، هو في جوهره نتاج التجربة الأوروبية، حيث ارتبط بنشوء الدولة الحديثة، وبالحاجة إلى سرد متماسك يبرر وجودها واستمراريتها.
من هنا، أصبح التاريخ في المخيال الغربي قصة تقدم متواصل، تبدأ من العصور القديمة، وتمر بالنهضة، ثم الحداثة، وكأن العالم بأسره مدعو إلى السير في المسار ذاته. غير أن هذا التصور، كما يبين العروي، لا يعكس بالضرورة تجارب المجتمعات الأخرى.

 

ثانياً: حين يصبح التاريخ أداة للهيمنة

في العالم العربي، لا تبدو هذه الإشكالية نظرية فقط. يكفي أن نتأمل مناهج التاريخ المدرسية، أو النقاشات الدائرة حول الذاكرة الاستعمارية، لندرك أن التاريخ غالباً ما يُستعمل لتثبيت سردية رسمية، أو لتبرير واقع سياسي قائم.
خلال المرحلة الاستعمارية، صُوِّرت المجتمعات العربية والإفريقية بوصفها مجتمعات «خارج التاريخ»، تحتاج إلى من يُدخلها إليه. هذا الخطاب لم يختفِ تماماً مع الاستقلال، بل استمر بأشكال مختلفة، سواء في النظرة الغربية للعالم العربي، أو في تبني بعض النخب المحلية للمعايير نفسها.

 

ثالثاً: إفريقيا، الذاكرة، وما لا تعترف به الكتب

يضرب العروي مثالاً بإفريقيا جنوب الصحراء، حيث اعتُبر غياب الأرشيف المكتوب دليلاً على غياب التاريخ. غير أن هذا الحكم يغفل حقيقة أساسية: المجتمعات لا تحفظ ذاكرتها بطريقة واحدة فقط. ففي إفريقيا، لعبت الرواية الشفوية، والأساطير، وسير الأجداد، دور الأرشيف الحي.
هذا المثال لا يخص إفريقيا وحدها. ففي العالم العربي، لا تزال الذاكرة الشعبية – من خلال الحكايات، والأغاني، والشهادات الشفوية – تلعب دوراً مركزياً في حفظ التاريخ، خاصة تاريخ المهمشين الذين لا يجدون مكاناً في الكتب الرسمية.

 

رابعاً: الإسلام وسؤال المعنى

يتوقف العروي طويلاً عند التجربة الإسلامية، معتبراً أنها تكشف بوضوح حدود التصور الغربي للتاريخ. ففي الثقافة الإسلامية، لا يُنظر إلى الحدث في حد ذاته بوصفه غاية، بل تُقاس قيمته بما يحمله من معنى أخلاقي وديني. لذلك، احتلت العبرة والمغزى مكانة مركزية في كتابة التاريخ.
هذا ما يفسر، جزئياً، ضعف الاهتمام بالآثار المادية مقارنة بالحضارة الغربية، وهو ضعف لا يدل على غياب الوعي التاريخي، بل على اختلاف في زاوية النظر. غير أن هذا الاختلاف فُسِّر طويلاً على أنه تأخر أو قصور.

 

خامساً: التاريخ والعالم العربي اليوم

تتجلى راهنية طرح العروي بوضوح في النقاشات العربية المعاصرة حول الثورات، والحروب الأهلية، والذاكرة الوطنية. فكل حدث كبير سرعان ما يتحول إلى ساحة صراع بين روايات متنافسة، يسعى كل طرف من خلالها إلى فرض قراءته للتاريخ.
في هذا السياق، لا يعود السؤال: «ماذا حدث؟» فقط، بل يصبح: «من يملك سلطة القول إن هذا ما حدث؟». وهو سؤال يعيدنا مباشرة إلى جوهر أطروحة العروي.

 

خاتمة: التاريخ كسؤال مفتوح

لا يقدم عبد الله العروي أجوبة جاهزة بقدر ما يضعنا أمام مرآة فكرية غير مريحة. فهو لا يسأل فقط كيف نكتب التاريخ، بل لماذا نكتبه، ولصالح من، وبأي لغة. ومن هنا، لا يعود التاريخ مجرد سرد لما وقع، بل يصبح أداة لفهم الحاضر، وكاشفاً عن موازين القوة التي تحكم المجتمع.

في عالم عربي يعيش توتراً دائماً بين الذاكرة والنسيان، بين روايات رسمية وأخرى مهمشة، يكتسب طرح العروي راهنية خاصة. فالصراع لا يدور فقط حول الماضي، بل حول من يملك حق تفسيره واستثماره في الحاضر. وهذا ما يجعل التاريخ سؤالاً مفتوحاً، لا نصاً مغلقاً.

 

ما يلفتني في أطروحة عبد الله العروي ليس فقط بعدها النقدي، بل شجاعتها الفكرية. فالعروي لا يدعو إلى استبدال مركزية غربية بمركزية مضادة، ولا إلى تمجيد خصوصية منغلقة، بل إلى وعي نقدي بالمفاهيم التي نستعملها يومياً دون مساءلة. ومن بينها مفهوم التاريخ، الذي كثيراً ما نتعامل معه كحقيقة ثابتة، بينما هو في العمق بناء ثقافي قابل للنقد وإعادة التفكير.

 

أعتقد أن الحاجة اليوم، في السياق العربي، ليست إلى كتابة تاريخ جديد بقدر ما هي إلى تعلم كيفية قراءة التاريخ: قراءة تُنصت إلى الأصوات المهمشة، وتشُك في السرديات الجاهزة، وتربط الماضي بأسئلة الحاضر بدل تحويله إلى ملاذ آمن أو سلاح أيديولوجي.

 

من هذا المنظور، تبدو العودة إلى العروي ضرورة فكرية لا ترفاً ثقافياً، لأنها تذكرنا بأن التحرر لا يبدأ من الاقتصاد أو السياسة فقط، بل من تحرير طريقة تفكيرنا في ذواتنا وفي تاريخنا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!