ما بعد الإنسان: إفتتاحية في إغتيال الكرامة بإسم التقدم
الحلقة الثالثة عشرة من سلسلة إحقاق الحق
بقلم ذة: نجاة زين الدين
إن التحولات التي يشهدها العالم اليوم، ليست مجرد إنعطافات تقنية أو تطور طبيعي في أدوات العيش، بل نحن إزاء مشروع سياسي–فلسفي متكامل يستهدف جوهر الإنسان ذاته، و يعيد تعريفه خارج كل سياق أخلاقي أو حضاري، مشروع يقدم لنا تحت عناوين براقة: التحديث، الذكاء الإصطناعي، الحرية الفردية، العولمة… بينما يضمر في عمقه إنقلابا جذريا على معنى الإنسان، و على فكرة الكرامة، و على الحق في الإختلاف و المقاومة.
1) من الإنسان المواطن إلى الإنسان الوظيفي:
في عالم “ما بعد الإنسان”، لا قيمة للإنسان بما هو كائن عاقل حر، بل بما يؤديه من وظيفة داخل منظومة السوق و السيطرة للتحكم الإمبربالي، فالمواطن سيتحول إلى مستهلك، و الفاعل السياسي إلى مستخدم بيانات، و الضمير الجمعي إلى رقم في معادلة الربح و الخسارة، هكذا يعاد تشكيل الإنسان ليصير قابلا للبرمجة المسطرة مسبقا في الغرف السوداء لعالم الرأسمالية المتوحشة، سهل الإنقياد، منزوع السؤال، منزها عن القلق الوجودي الذي طالما كان وقود التاريخ و مستأنسا ببرمجة الخنوع و الإنصياع بدون طرح الأسئلة المنطقية لا بكيف؟؟ و لا بلماذا؟؟؟ و لا حتى عن متى؟؟؟.
2) التكنولوجيا كأداة حكم لا كأداة تقدم:
لم تعد التكنولوجيا محايدة، بل جرى تسييسها، و أدلجتها، و تحويلها إلى أداة حكم ناعمة تتجاوز الدولة القطرية، و تخترق المجتمعات من داخلها: الرقاقات، الخوارزميات، المراقبة الرقمية، الذكاء الاصطناعي… فكل هذه الآليات ليست مجرد إبتكارات، بل أدوات ضبط إجتماعي تعيد إنتاج الطاعة بوسائل أكثر نعومة و أقل كلفة من القمع الكلاسيكي.
إننا أمام انتقال خطير: من سلطة السلاح إلى سلطة البيانات، و من القهر المباشر إلى الإمتثال الطوعي.
3) تفكيك الأسرة: الضربة الإستراتيجية الأولى:
لا يمكن لأي مشروع للهيمنة أن ينجح دون تفكيك الخلية الأولى للمجتمع، ألا و هي: الأسرة فهذه الأخيرة لم تستهدف عبثا، بل لأنها آخر فضاء ينتج القيم خارج السوق.
لذلك جرى تشويه مفاهيم الأبوة و الأمومة و المسؤولية و التكافل تحت شعارات فضفاضة عن التحرر و الإختيار، فنتج عن ذلك فرد معزول، هش، بلا سند عاطفي أو مرجعية أخلاقية، يسهل توجيهه و إخضاعه لإغراءات الحياة الإستهلاكية بمقاييس غرائزية لا بمنطق العقلانية الواعية.
4) المدرسة المنفصمة: تعليم بلا وعي:
فالمدرسة الحديثة، في كثير من نماذجها، لم تعد مصنعا للوعي النقدي، بل ورشة لإنتاج الإمتثال و زرع الإتكالية و برمجة عقل المتعلم على نمطية couper/coller،
بمعرفة مجزأة، و تاريخ مبتور، و فلسفة منزوعة الأنياب، و تربية غائبة و خريطة جغرافية مزورة و مصالح جيوسياسية تحدد السياق العام لما يجب تلقينه و ما لا يجب، فالهدف هنا ليس تكوين إنسان يفكر، بل فرد يتكيف و راضخ، و هكذا يفرغ العقل من قدرته على السؤال، و يدرب فقط على إجتياز الإختبارات، لا على إجتياز الظلم و لا على البحث بتدقيق عن عدالة دولية و أمن و سلام عالمي، بقدر ما على التلميذ و الطالب اليوم يعني مسؤول الغد أن يعتاد الإستسلام و يصاهر الخنوع…
5) الإعلام: شرعنة الظلم و تجريم المقاومة:
فالإعلام السائد لم يعد ناقلا للخبر، بل صانعا للمعنى وفق الأجندات السياسية الملغومة المملاة، يجمل الإستبداد إن كان حليفا، و يشيطن المقهور إن طالب بحقه، فالقضايا الكبرى تختزل في سجالات و نقاشات تافهة، و تدار العقول بإيقاع سريع يمنع التفكير العميق الدقيق…إنها صناعة وعي زائف، أخطر من الجهل ذاته مع كامل الأسف…
6) الإقتصاد كقيد: حين يتحول الديْن إلى سلاح:
المديونية اليوم ليست أزمة مالية، بل أداة سيادة، فالأفراد مرتهنون بالقروض، و الدول مرتهنة بالمؤسسات المالية الدولية، و القرار السياسي “السيادي” مرهون بجداول السداد، إنها عبودية جديدة، بلا سلاسل، لكنها أكثر إحكاما و تحكما في رقاب كل بشرية العالم، لأنها تقدم بوصفها خيارا عقلانيا لا فكاك و لا مناص منه.
7) الترفيه و المخدرات: سياسة الإلهاء المحطمة الكبرى:
فحين يغلق أفق العدالة، يفتح باب الإلهاء: ألعاب، مراهنات، مخدرات، كحول، تفاهة رقمية، دعارة مرخصة و مواقع لليانصيب بكل مكان…فالأمر ليس صدفة، بل سياسة… يراد منها شعوب منهكة تبحث فقط على أدوات و مواقع لتنسى، و لتلهو لتنسحب بذلك من المجال العام و الواعي، إلى اللاوعي و الخيال لتطفو في سحاب الأحلام لتترك مصيرها بيد الثلة التي تدير العالم من خلف الشاشات.
8) قلب القيم: الإنتهازية كفضيلة جديدة:
في هذا العالم المقلوب، تعاد صياغة القيم: الوصولية ذكاء، و الصمت حكمة، و التكيف مع الظلم نضج، أما المبدأ، فيتهم بالرومانسية، و الكرامة تقدم كترف لا يليق بالفقراء، هكذا يجرد الإنسان من آخر حصونه: المعنى و القيمة.
هذا المقال ليس حنينا إلى الماضي، و لا رفضا للتقدم، بل موقفا سياسيا–أخلاقيا في لحظة مفصلية من تاريخ البشرية.
نحن لا نرفض التكنولوجيا، بل نرفض تحويلها إلى أداة إغتيال للإنسان. كما لا نرفض الحرية، بل نرفض إختزالها في إنفلات يخدم سوق الرأسمالية البئيس و سوق البشرية الرخيص ليقوض المجتمع إلى الهاوية بدون رحمة…
المعركة اليوم هي معركة وعي: إما أن نستعيد الإنسان كقيمة عليا، و كفاعل تاريخي مسؤول، أو نستسلم لنموذج “ما بعد الإنسان” حيث يختزل البشر إلى بيانات، و تختزل الحياة إلى إستهلاك، و تختزل الحرية إلى إختيار بين منتجات.
إنها لحظة الحسم: إما إنسان حر… أو كائن مبرمج بكل تهجين و بكل إنسياقية عمياء.



























