الإمبريالية الأمريكية و منطق التدخل:
من كراكاس إلى بغداد… سيناريو واحد بأقنعة متعددة
الحلقة الثانية عشر من سلسلة شدرات فكرية
بقلم: نجاة زين الدين
لم تعد التدخلات الأمريكية في شؤون الدول ذات السيادة أحداثا معزولة أو أخطاء عابرة في حسابات السياسة الخارجية، حين يتحول العالم إلى مسرح تجارب، بل غدت نسقا متكاملا، تعاد صياغته و تحديث أدواته تبعا للزمان و المكان، مع الحفاظ على الجوهر ذاته: الهيمنة، التحكم في الموارد، و إعادة تشكيل الخرائط السياسية وفق منطق القوة العسكرية لا الشرعية الدولية.
ففي هذا السياق، تبرز عملية كراكاس كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من السيناريوهات المتكررة، تبدأ بالتشكيك في شرعية الأنظمة، لتمر عبر الحصار ثم العقوبات، لتختتم في النهاية بمحاولات الإنقلاب أو التدخل المباشر، تحت عناوين براقة مثل “الديمقراطية”، “حقوق الإنسان”، و“حماية الشعوب”…
أولا: عملية كراكاس
إعادة إنتاج النموذج القديم:
ما جرى و يجري في فنزويلا، و خاصة في العاصمة كراكاس، لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخ طويل من الصراع بين واشنطن و أي نظام يجرؤ على تبني سياسة سيادية مستقلة عن الإملاءات الأمريكية أو التحكم الوطني في الثروات الطبيعية، و على رأسها النفط
أو بناء تحالفات خارج المدار الغربي التقليدي…
لقد إتسمت “عملية كراكاس” بتدرج محسوب:
*)شيطنة القيادة السياسية عبر الإعلام الدولي.
*)تجفيف الإقتصاد بالعقوبات و الحصار المالي.
*)دعم معارضة مختارة بعناية، سياسيا و ماليا و إعلاميا.
*)التلويح بالخيار العسكري أو تفويضه لقوى داخلية أو إقليمية و هو ما يسمى بالحروب بالوكالة، و هو السيناريو ذاته الذي رأيناه سابقا في أماكن مختلفة، مع إختلاف الأسماء و السياقات و الكرونولوجية التاريخية.
ثانيا: من باناما إلى العراق – ذاكرة التدخل لا تموت:
حين إجتاحت القوات الأمريكية باناما سنة 1989، كان المبرر “إعادة ترسيخ الديمقراطية” و“محاربة المخدرات”، لكن النتيجة كانت:
إنتهاكا صارخا للسيادة: آلاف الضحايا تنصيب نظام موال بالكامل لواشنطن…
و في العراق في سنة 2003، تحت ذريعة “أسلحة الدمار الشامل”، جرى:
تدمير دولة بالكامل و
تفكيك حضارة مجتمع، بإشعال فتيل الطائفية و الفوضى ليتبين لاحقا أن الذريعة كانت وهما، بينما الكلفة الإنسانية كانت حقيقية و مدمرة و جد جد غالية: نفسيا و إجتماعيا و إقتصاديا و سياسيا…
ثالثا: اليمن، سوريا، نيجيريا و السودان… الفوضى بالوكالة:
لم يعد التدخل الأمريكي دائما مباشرا؛ فقد طورت واشنطن أسلوب الحرب بإعتمادها نهج تدبيرها لها بالوكالة:
*)ففي اليمن: صراع مفتوح، حصار، كارثة إنسانية، و صمت دولي مريب و غريب.
*)أما في سوريا: فكان الدعم للجماعات المتصارعة، و تفكيك النسيج الإجتماعي و السيطرة المطلقة للتدبير الإرهابي الموالي للبرنامج الإمبريالي الصهيوني و المنسجم مبدئيا مع التكتيك التخريبي بالابادة الطائفية، بالغ الأثر في إستشراء الفوضى و التقتيل بإسم الدين.
*)في نيجيريا و منطقة الساحل: فوضى أمنية تتغذى بذكاء مستفز لإبقاء المنطقة رهينة اللاإستقرار.
*)في السودان: إدارة صراعات داخلية تبقي الدولة في حالة إنهاك دائم، و إبادة داخلية، بغية التمكن من السيطرة على ثرواتها الطبيعية و مناجمها المعنية النفيسة…
النتيجة واحدة:
دول ضعيفة، شعوب منهكة، و ثروات مفتوحة أمام إستغلال و هيمنة الشركات العابرة للقارات.
رابعا: عقلية “دركي العالم” و عنجهية القوة:
إن ما تتشارك عليه هذه الحالات جميعا هو العقل السياسي الأمريكي الذي يرى نفسه: وصيا على العالم، مخولا بتحديد من يحكم و من يعاقب فوق القانون الدولي حين يتعارض مع مصالحه، إنها عنجهية تتغذى من:
*)تفوق عسكري هائل
*)إعلام عالمي مهيمن
*)عجز أممي فاضح و متراخي في فرض العدالة الدولية بمقاييس القانون و و بمعايير إنسانية…
خامسا: أسئلة التمحيص… هل من أفق لوقف النزيف؟؟؟
أمام هذا المشهد القاتم، تفرض أسئلة كبرى نفسها:
*)إلى متى سيظل القانون الدولي حبرا على ورق؟؟؟
*)كيف يمكن للشعوب العالمية أن تحمي سيادتها دون الوقوع في فخ الحروب الأهلية؟؟؟
*)أين دور المثقفين و الإعلام الحر، و القوى المدنية العالمية في فضح هذا المنطق؟؟؟؟
إن وقف نزيف الحروب لا يكون بالسلاح وحده، بل بـ:
*)بناء وعي عالمي ناقد…
*)تضامن دولي حقيقي بين الشعوب لا الحكومات…
*)إصلاح جذري لمؤسسات الشرعية الدولية…
*)دعم حق الدول في تقرير مصيرها دون وصاية و لا تدخل أجنبي…
سادسا: من النفط إلى الإنسان… وحدة الإستهداف و وحدة المصير:
من كوبا المحاصرة إلى فنزويلا المستهدفة، يتكشف الخيط الناظم لمنظومة الإمبريالية الصهيونية بوصفها مشروعا عالميا لا يعترف بالحدود و لا بالخصوصيات الثقافية، بل يرى في الثروات و السيادة الدولية عقبات ينبغي كسرها، و في الشعوب الحرة عوائق يجب إخضاعها. فالنفط في فنزويلا، كما كان السكر في كوبا، ليس سوى مدخل مادي لصراع أعمق على القرار الوطني، حيث تتحول العقوبات و الحصار إلى أدوات حديثة للإحتلال، و يستبدل الجندي بالبنك، و الدبابة بالسوق، و القصف بالإختناق الإقتصادي، و التجويع بضرب القدرة الإنسانية على تحمل صعاب الحياة و ما إستهداف أمريكا اللاتينية إلا حلقة ضمن سلسلة واحدة تطال العرب في أوطانهم، و الآسيويين في مواردهم، و الأفارقة في أرضهم، لأن المنطق واحد: تجويع الشعوب لإخضاعها، و تمزيق الدول لمنعها من إمتلاك قوة ذاتية. غير أن هذا المسار، مهما إشتد، يكشف في جوهره حقيقة لا تخطئها البصيرة: أن الصراع ليس على أنظمة و لا على إيديولوجيات، بل على حق الإنسان في أن يكون سيد ثروته و مصيره، و أن مقاومة الهيمنة، من هافانا إلى كراكاس، و من بغداد إلى غزة، و من داكار إلى هانوي، ليست سوى تعبيرات مختلفة عن معركة إنسانية واحدة، عنوانها الكرامة، و جوهرها السيادة، و أفقها تحرر الشعوب من قبضة نظام عالمي لا يعيش إلا على إستدامة الظلم و نشر الحروب و إبادة الشعوب و إستيطان أراضيها بكل وصولية و غطرسة و طغيان.
هنا فنزويلا ليست إستثناء، كما لم يكن العراق و لا سوريا و لا باناما…إنها حلقات في سلسلة واحدة، ما لم يكسر منطق القوة و يستعاد منطق العدالة الدولية…
وحدها العقلانية الحكيمة، القائمة على إحترام السيادة الداخلية لكل الدول، و رفض الفوضى المصنعة، و التمسك بالقيم الإنسانية المشتركة، قادرة على وضع حد لهذا الجنون الإمبريالي الذي يهدد السلم العالمي، و يحول العالم إلى ساحة دائمة للحروب، تتغدى باللاإستقرار و نشر الرعب و التلويح بفزاعة التخويف بالوعد و الوعيد من طاعون الدول: أمريكا…
أمريكا هي الطاعون و الطاعون هو أمريكا…فإلى متى سيستمر السكوت يا دول العالم…؟؟؟و على من سيأتي الدور الموالي يا ترى؟؟؟



























