كرة القدم بين المتعة البريئة و التوظيف السياسي: حين تتحول اللعبة إلى أداة تدجين جماعي
الحلقة الحادية عشر من سلسلة شدرات فكرية
بقلم ذة: نجاة زين الدين
ليست كرة القدم، في أصلها، سوى لعبة شعبية ولدت من رحم الشارع، لتمنح الإنسان فسحة فرح و تنفيس عن توترات الحياة اليومية، غير أن ما بدأ كلعبة بريئة، تحول مع الزمن، و بفعل تداخل المال و السياسة و الإعلام، إلى صناعة ضخمة و إلى أداة ناعمة لتوجيه الوعي الجماعي، بل و أحيانا لتخديره و صرفه عن القضايا الجوهرية التي تمس مصيره و كرامته و وضعه الإقتصادي.
1) من لعبة شعبية إلى صناعة كونية:
لقد تحولت كرة القدم في العقود الأخيرة إلى منظومة عالمية متكاملة: إتحادات قارية و دولية، وزارات و هيئات رسمية، ميزانيات فلكية، حقوق بث بمليارات الدولارات، نجوم يصنعون كما تصنع العلامات التجارية، و ملاعب تشيد بأموال عمومية هائلة، لم تعد المسألة مجرد تسعين دقيقة من اللعب و الفرجة، بل شبكة مصالح إقتصادية و سياسية و إعلامية، تدار بمنطق السوق و النفوذ و الإملاءات و التوجيهات السيادية لقارات بأكملها…
هذا التحول جعل من كرة القدم قوة ناعمة قادرة على التأثير في المزاج العام، و خلق حالات تعبئة عاطفية جماعية، و توجيه الإنتباه الشعبي نحو معارك رمزية وهمية، بدل المعارك الحقيقية و الواقعية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية و المجالية، و الصحة، و التعليم، و الكرامة الإنسانية.
2) تشتيت الرأي العام و صناعة النقاشات الهامشية:
في لحظات الأزمات الإجتماعية أو الإقتصادية أو السياسية، و في ظل ما قد يعيشه المغرب الآن مثلا من كوارث طبيعية بسبب غياب البنى التحتية الناجعة لتفادي مآسي الفاجعة التي أودت بحياة 38 ضحية من آسفي، أو بسبب تلك المهترئة التي أغرقت كل من فاس أو تنغير و مواقع أخرى…و في ظل غياب سياسات إستعجالية لإيواء ضحايا زلزال الحوت اللذين لازالوا يعيشون في الخيام و العراء…دون نسيان من قرروا المشي في عز تساقط الثلوج من دواوير مختلفة مطالبين بفك العزلة عنهم…الخ يلاحظ كيف تتضخم تغطية المباريات، و ترفع درجة الإثارة الإعلامية، و يدفع الناس إلى الغرق في تفاصيل تافهة: هل أخطأ الحكم؟؟؟ من يستحق الإستدعاء؟؟؟؟ من خان القميص الوطني؟؟؟؟
هكذا تستبدل الأسئلة المصيرية مثل متى تتدخل الدولة لتحاسب المتهاونين و المقصرين في مسؤولياتهم؟؟؟ لماذا لا يقلد المغرب البنى التحتية الغربية ؟؟؟ و لماذا لا نتبع خطوات هذه الدول في التغطية الصحية و الإجتماعية و تدشين المزيد من المؤسسات التعليمية مع ضرورة التفكير في تأمين و تعميم النقل المدرسي و الإهتمام بتشجيع البحث العلمي، بالموازاة مع سن قانون إلزامية التعليم الذي تمت المصادقة عليه مؤخرا؟؟؟ بأسئلة سطحية، لتفرغ جامة الغضب الشعبي في صراخ الملاعب و أمام شاشات التلفاز بالبيوت و المقاهي بصورة هسترية أحيانا، تبعث على طرح أكثر من إستفهام و سؤال؟؟؟ بدل أن يوجه نحو محاسبة السياسات العمومية الفاشلة و الفاسدة…
إنها عملية تشتيت ممنهجة، تعيد إنتاج ما يشبه “الخبز و الفرجة” في نسخته المعاصرة، حيث تمنح الجماهير جرعة من النشوة المؤقتة، مقابل صمت طويل عن الإختلالات البنيوية العميقة و الصارخة.
3) برمجة الوعي الجمعي عبر العاطفة لا العقل:
تعتمد كرة القدم في توظيفها السياسي على أقوى ما في الإنســـان: الـــعـــاطـفـة و الإنتـــمــــــاء الجـــغــــرافي، فالعلم الوطني، و النشيد، و صورة “المنتخب”، تستعمل لخلق إحساس زائف بالإنتصار الوطني و وحدة الصف و الإنجاز الكاذب المغلف بنشوة الشكولاطة المؤقتة، حتى في غياب أي تقدم حقيقي في شروط العيش الكريم المفروض توفيره لكل المواطنين بعموم الخريطة الوطنية بدون إستثناء و لا تمييز في ظل عدل وطني شامل…
فكيف لنا أن نعيش هذه الفرحة الهستيرية بفوز المغاربة بكأس العرب مثلا على أنه إنجاز يستدعي الفخر الوطني في الملعب القطري و بشوارع كل المدن المغربية، بينما تهمش كرامة المواطن في المستشفى، و تداس في المدرسة، و تنتهك في طوابير البطالة، و في الوقت الذي لاتزال مئات الأسر بأسفي تنتحب ضحاياها و تلعن حظها و قدرها الذي لم يباغثها بسبب تطبيعها المفروض و المكره مع وضع بنيوي أقل ما يمكن أن يقال عنه مهتريء، وضع قرره مسؤولوا المدينة، عندما تهاونوا في أداء مهامهم…و هنا تكمن خطورة اللعبة، حين يتم فصل الوطنية عن الحقوق، و تختزل في هدف كروي أو فوز عابر… ليصيح الجميع داخل المقاهي بسير سير سير…فقط و نسيان نفس الكلمة بالحث عليها في إجتماعات المجالس الجماعية المحلية أكانت حضرية أو قروية، و التي غالبا ما تدار في جو من المشاحنات و التراشقات و تبادل الإتهامات المجانية، لتفوت الفرصة عن التنمية و الإنجاز الحقيقي الذي يثوق إلى تحقيقه كل المغاربة…
4) مفارقة الإستثمار: الملاعب أولا… و الإنسان لاحقا؟
هنا يطرح سؤال أخلاقي و سياسي مشروع: كيف يعقل أن تضخ مليارات الدولارات في ملاعب، و مدربين أجانب، و أكاديميات كروية، بينما تعاني بلدان عديدة، و منها المغرب، من خصاص مهول في المستشفيات، و نقص فادح في الأطر الطبية، و إكتظاظ خانق في المدارس و نذرة ملحوظة للقاصي و الداني في الجامعات؟ و قلة الميزانيات المحفزة على البحث العلمي لتحقيق التنمية و الإزدهار الحقيقي…؟؟؟
كيف يقبل أن يترك المريض لمصيره، ليرمى أرضا بمداخيل المستشفيات التي يتحكم في قرارها رجال الأمن sécurité agents و أن تختزل المدرسة العمومية في أقسام مكتظة قد تصل إلى حدود 50 تلميذا في الفصل، و أن يهاجر الباحث و العالم بحثا عن إعتراف أجنبي بمكانته و كفاءته، في مقابل الإحتفاء بأسطورة كروية لا تغني و لا تداوي و لا تعلم؟؟؟؟ إن هذا الإختلال في ترتيب الأولويات ليس بريئا، بل يعكس خيارا سياسيا واضحا: الإستثمار في الإلهاء بدل الإستثمار في تحسين ظروف عيش الإنسان و بنائه.
5) كرة القدم و الإمبريالية الناعمة:
على المستوى العالمي، أستعملت كرة القدم كأداة من أدوات الهيمنة الرمزية: شركات عابرة للقارات، و رعاة عالميون لماركات تجارية تسوق بالملايير لتمويل الإحتلال و الإستعمار الجديد و صناعة السلاح لتوسيع دائرة إنعدام التوازن و الإختلالات الساطعة سطوع الشمس في أيام الصيف، بمؤسسات مالية كبرى، تسيطر على مفاصل اللعبة، لتحولها إلى سوق إستهلاكية ضخمة، تدر الأرباح و تعيد إنتاج التبعية الثقافية و الإقتصادية و السياسية!!!
ليتم تصدير النموذج ذاته إلى دول الجنوب: إستهلاك مفرط، إنبهار زائف، تقديس للنجومية، مقابل تغييب ممنهج لقيم النقد، و توظيف العقل، و السؤال السياسي الكبير؟؟؟ و هكذا تستنزف طاقات الشعوب في التشجيع، بدل التنظيم، و في التعصب الكروي، بدل الوعي المدني البناء و الهادف…
6) نشوة الإنبهار المزيف و ثمنها الباهض:
ليست المشكلة في حب كرة القدم كلعبة رياضية في حد ذاتها، بل في تحويلها إلى أفيون جماعي، فنشوة الإنتصار الكروي، مهما عظمت، تبقى مؤقتة، سرعان ما تتبدد أمام واقع الفقر و المرض و البطالة المتفشية و الأزمة الإقتصادية الخانقة بسبب إرتفاع أسعار المحروقات و كل المواد الغذائية الأساسية…غير أن الخطير هو الإدمان على هذه النشوة، حتى تصبح بديلا عن المطالبة بالإصلاح الحقيقي و مناقشة المواضيع الرئيسية التي قد تساهم في تطوير عجلة البلاد التي لولا الإنتقاد الفعال و الناجع لما تمكنت من إصلاح مواقع الخلل.
فحين يعتاد الشعب على الفرح المعلب، يصبح أقل حساسية تجاه الظلم، و أكثر قابلية للتطبيع مع الرداءة و كل وسائل الإلهاء و آليات الثفاهة، و أقل إستعدادا لمساءلة المقصرين في تدبيرهم للشأن المحلي و العمومي و محاسبتهم…
فالمطلوب هنا ليس إلغاء كرة القدم كلعبة رياضية أبدا و لا شيطنتها بالكل، بل المقصود: تحريرها من التوظيف السياسي التدجيني الخطير، فالمطلوب هنا هو أن نستعيد التوازن: أن تبقى الرياضة فضاءا للمتعة و الصحة و الفرجة، لا وسيلة لتخدير الوعي و صرف الأنظار عن القضايا المصيرية الحقيقية.
إن الشعوب التي تريد نهضة فعلية، لا تجعل من الملاعب بديلا عن المستشفيات المطببة، و لا من الأهداف الكروية بديلا عن الأهداف التنموية، وحده الوعي النقدي القادر على فضح هذا التلاعب، و كسر دائرة الإلهاء، و إعادة توجيه البوصلة نحو حقوق الإنسان: صحة، و تعليما، و كرامة، و عدالة إجتماعية و مجالية…و وعيا نافدا…
عندها فقط، يمكنني أن أحب كرة القدم بدون إتهامها… و دون أن نستلب بها و دون أن نسقط في تمويهات و تكتيكات مخطط لها خارجيا بتدبير مريب، هدفه الرئيسي: الإبقاء على التخلف و سياسة “السكاتة ” الدائمة…
فلنجعل الإنسان قضيتنا الأساسية لتحقيق التقدم الحقيقي، لا ذاك المنمق بواجهات كاذبة…
نريد وطنا للجميع، منصفا لكل أبنائه من الشمال إلى الجنوب و من الشرق إلى الغرب…و عالما يسوده الأمن و الأمان لا تهديدا و لا إستغلال، لا إستعمارا و لا إستيطان…فهذه كل أمانينا فهلا سمعتمونا يا شعوب العالم و يا قاداته…و لا نريد العيش باللهيات و لا بالمخدرات…



























