الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

عالم بلا خرائط: تشريح سردي–ثقافي لأزمة الوعي العربي بعد الهزيمة

 

بقلم: محمد السميري

 

 

يمثّل صدور رواية عالم بلا خرائط (1982) لجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف حدثًا أدبيًا مفصليًا في تاريخ الرواية العربية المعاصرة، إذ جاءت في نهاية عقدين من الزلزال السياسي والفكري الذي أحدثته هزيمة حزيران 1967 وما تلاها من تدهور في مشاريع التحرر والتنمية والوحدة. لم تكن الرواية مجرد تجربة سردية مشتركة بين كاتبين كبيرين، بل جاءت بوصفها نصًا تأسيسيًا لما بات يُعرف بـ“أدب ما بعد الهزيمة”، حيث يتحول العالم السردي إلى مختبر لتحليل الوعي العربي بعد انهيار اليقينيات الكبرى.

 

تنهض الرواية على استعارة كبرى تتمثّل في المدينة المتخيلة “عمورية”، التي تظهر بلا معالم ثابتة، وبلا مركز، وبلا خريطة. هذا الفضاء الروائي لا يُقرأ كابتكار جمالي فحسب، بل بوصفه تجسيدًا لحالة التيه التي عاشها المثقف والإنسان العربي بعد 1967. يقول الراوي، في جملة اعترافية محمَّلة بالقلق: «لا أعرف أين بدأت الحكاية، ولا إلى أين تنتهي…». تكثّف هذه العبارة المنزلق الوجودي الذي انتهى إليه العالم العربي بعد الهزيمة: فقدان نقطة البدء ونقطة النهاية، وفقدان القدرة على رسم اتجاه واضح للمستقبل.

 

على هذا الأساس، تقترح القراءة التاريخانية–الثقافية أن الرواية ليست بناءً تخييليًا معزولًا، بل امتدادًا لصراع الوعي العربي مع ذاته. فقد تحولت الهزيمة، كما يشير صادق جلال العظم، من “واقعة عسكرية” إلى “أزمة في بنية التفكير”(2). وهو ما يظهر بوضوح في طبيعة المدينة والسرد والشخصيات: فعمورية لا تنتمي إلى جغرافيا محددة، وهي ليست من مدن الذاكرة العربية، ولا من فضاءات الخيال الخالص، بل تقع في منطقة رمزية بينهما، مما يعكس انهيار مشروع النهضة الذي لم يعد يمتلك يقينيات موجهة.

 

تجسّد الشخصيات في الرواية أنماطًا متعددة لأزمة الوعي. فـعلاء الدين نجيب، وهو أستاذ جامعي ومتهم في جريمة غامضة، يمثل نموذج المثقف المنكسر الذي انتقل من موقع “المرشد” إلى موقع “المتهم”. في أحد مقاطع اعترافاته يقول: «لم أعد أثق في قدرتي على الفهم…»، وهو اعتراف ليس بضعف فردي، بل بانكسار الصورة التقليدية للمثقف العربي الذي كان يرى نفسه حاملًا للحقيقة. إن التحقيق الذي يتعرض له علاء ليس مجرد إجراء بوليسي، بل هو صورة عن علاقة النخبة بالسلطة: سلطة تبحث عن “اعترافات” لا عن “حقيقة”، ومثقف فاقد لسلطته الرمزية، محاصر بين ذنوب شخصية وهزائم جماعية.

 

أما شخصية نجوى العامري، فتجسّد الحلم الثوري العربي الذي كان يَعِد بالخلاص ثم انتهى إلى التلاشي. نجوى روح متمرّدة، لكنها ضائعة؛ ورغبتها في التحرر تتجاوز ما تستطيع بيئتها تحمله. حين يقول عنها الراوي إنها «تشعل الأشياء ثم تتركها تنطفئ وحدها»، نكون أمام رمز واضح للمشاريع التحررية التي أشعلت مخيال الجماهير في الستينيات، ثم تراجعت مع أول اختبار تاريخي حقيقي. إن موت نجوى الغامض ليس حدثًا سرديًا فحسب، بل هو تمثيل رمزي لمصير تلك المشاريع.

 

الشخصيات الثانوية—صفاء، أدهم، حسام الرعد—لا تظهر بوصفها عناصر مكملة، بل كأطياف ذاكرة تُعيد إنتاج الهزائم الصغيرة داخل الحياة اليومية. إنها تمثل العائلة العربية، والمجتمع العربي، بطبقاته وتوتراته وذاكرته المثقلة بالخيبات. لا أحد في عمورية يمتلك خريطة شخصية أو اجتماعية؛ الجميع يتحركون في مساحات ضبابية، تمامًا كما تتحرك الأمة في فضاء سياسي غير مستقر.

 

على المستوى السردي، تعتمد الرواية استراتيجية “تفكيك الحقيقة” عبر اعترافات متضاربة وتشظيات زمنية وانكسارات لغوية. فالحكاية لا تُروى خطيًا، بل عبر لحظات متداخلة من الماضي والحاضر، وهو ما يحاكي، على المستوى الجمالي، تفكك السردية الكبرى للدولة القومية بعد الهزيمة. إن القارئ يُدفع دفعًا إلى موقع المُشكِّك: لا وجود لحقيقة واحدة، بل روايات متصارعة، كما لم يكن للعرب سردية موحدة لما حدث عام 1967؛ بل ظلّت الروايات الرسمية والشعبية والفكرية في صراع محتدم.

 

ولا يمكن فصل هذه البنية السردية عن التحولات في الفكر العربي خلال تلك المرحلة؛ فبينما حاولت مؤسسات السلطة تقديم تفسيرات “تبسيطية” للهزيمة، كانت النخبة النقدية (العظم، الحافظ، شرابي) تفكّك البنى الذهنية التي أنتجت الهزيمة قبل حدوثها. هنا تتقاطع الرواية مع هذه الكتابات، ولكن عبر لغة الرمز والاستعارة لا الخطاب المباشر. فالتشتت المكاني في عمورية تمثيل للتشتت السياسي الإقليمي، والتشظي النفسي للشخصيات انعكاس للتشظي الاجتماعي، والصمت اللغوي مرآةٌ لصمت “المحكومين” أمام سلطة لم تعد تقنع أحدًا.

 

في السياق المقارن، تبدو عالم بلا خرائط أكثر تعقيدًا وتجريدًا من نصوص ما بعد الهزيمة الأخرى، كأعمال إدوار الخراط أو روايات نجيب محفوظ في السبعينيات. فبينما ركّز محفوظ على تفكك البنية الاجتماعية بعد الهزيمة، وركّز الخراط على إعادة بناء الذات عبر حداثة لغوية، يذهب جبرا–منيف إلى أعمق من ذلك: إلى تحليل الطبقة الأيديولوجية نفسها، ومساءلة الأسس الثقافية والسياسية التي سمحت للهزيمة بأن تتحول من حدث تاريخي إلى بنية مستمرة.

 

وإذا قارنا الرواية بنصوص النقد السياسي—خاصة النقد الذاتي بعد الهزيمة للعظم وفي المسألة القومية الديمقراطية لياسين الحافظ—نجد أن الرواية تعمل على مستوى “التجسيد الرمزي”، بينما تعمل الكتابات النقدية على مستوى “التشريح الفكري المباشر”. ومع ذلك، فإن التقاطع واضح: فكلها تؤكد أن الهزيمة ليست نهاية مشروع، بل بداية مساءلة. هذا ما تلتقطه الرواية حين لا تقدّم نهاية مغلقة، بل تُبقي القارئ أمام أسئلة معلّقة: ما معنى الهوية؟ ما معنى الحرية؟ ما معنى الحقيقة؟ وكيف يمكن بناء خريطة جديدة في عالم بلا خرائط؟

 

تبدو الرواية اليوم، بعد أربعة عقود، أكثر راهنية مما كانت عليه عند صدورها. فالعالم العربي يعيش منذ 2011 سلسلة من الانهيارات السياسية، والحروب الأهلية، والتفكك المؤسسي، ما يجعل قراءة الرواية أقرب إلى قراءة “نبوءة” ثقافية. عمورية ليست مدينة من الثمانينيات، بل صورة للعواصم العربية اليوم: مدن تتوسع بلا مركز، نخب تبحث عن معنى، وشعوب تمشي في طرق لا تُفضي إلى مكان محدد. إن الهزيمة لم تعد في الوعي العربي حدثًا من الماضي، بل جزءًا من بنية الحاضر.

 

يخلص هذا البحث إلى أن عالم بلا خرائط ليست مجرد رواية عن الهزيمة، بل هي سردية عن إعادة إنتاج الهزيمة عبر الثقافة، والسلطة، والخطاب، والذاكرة. إنها نصٌّ يواجه القارئ بحقيقة ثقيلة: أن الخرائط القديمة لم تعد تصلح، وأن الخرائط الجديدة لا بد أن تُصنع عبر نقد شجاع للذات، وعبر الاعتراف بأن الهزيمة ليست تاريخًا، بل سؤالًا مفتوحًا. وهذا ما يجعل الرواية، في نظر النقد العربي الحديث، واحدًا من أهم نصوص ما بعد الحداثة العربية، لأنها تقترح أن الخلاص لا يأتي من يقين جديد، بل من شجاعة مواجهة اللايقين.

 

________________________________________
الهوامش
________________________________________
• جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف. عالم بلا خرائط.
• صادق جلال العظم. النقد الذاتي بعد الهزيمة. بيروت: دار الطليعة، 1969.
• ياسين الحافظ. في المسألة القومية الديمقراطية. بيروت: دار الطليعة، 1979.
• فخري صالح. دراسات في الرواية العربية. بيروت: دار الآداب، 1995.
• عبد الله الغذامي. النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية.
• إدوارد سعيد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997.
• إدوار الخراط. أصوات.
• نجيب محفوظ. الحب تحت المطر.

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!