المواسم بالمغرب: من فضاء للفرجة إلى أداة سياسية لإخماد الغضب الشعبي
الحلقة السابعة من سلسلة شذرات فكرية
بقلم ذة. نجاة زين الدين
منذ قرون، إرتبطت المواسم في المغرب بالطقوس الدينية و الإحتفالات الشعبية التي تنظم حول الأضرحة و الزوايا، في مزيج غريب بين الروحاني و التجاري و الإجتماعي و كذلك السياسي، غير أن هذه الظاهرة التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد تراث ثقافي أو فولكلور شعبي، تحولت بمرور الزمن إلى آلية سياسية و إجتماعية تستعملها السلطات في إمتصاص الغضب الجماهيري، و صرف أنظار الفئات الهشة و المهمشة عن قضاياها الجوهرية: التعليم، الصحة، الشغل، و العيش الكريم.
1)المواسم: أدوات تخدير بدل أن تكون روافع للتنمية:
إن الجماعات الترابية تخصص ملايين الدراهم سنويا لتنظيم هذه المواسم، بدعوى “إحياء التراث” و”تنشيط السياحة”، بينما المواطن المغبون لا يجد مدرسة تليق بطفله و لا مستشفى يستقبله ساعة المرض للتطبيب، فأي منطق هذا الذي يجعل المال العام يهدر على موائد الولائم و الخيام الفاخرة و المفرقعات، في بنيات تحتية أقل ما يمكن أن يقال عنها رديئة و متناقضة، بدل أن يستثمر في مشاريع تنموية واقعية تنتج الثروة و تضمن الكرامة للجميع؟؟؟
ثم هيا بنا لنسأل أنفسنا بجرأة:
ماذا سيجني المواطن الفقير من التمسح بأضرحة أموات؟؟؟ أليس الله أولى بالعبادة و الدعاء؟؟؟ أليس الأولى أن تبنى مصانع و معاهد و مراكز للتكوين بدل إستدامة أسواق الخرافة و التبرك الوهمي لنشر التمييع و التفاهة و الإبتذال؟؟؟؟
2)السياسة في خدمة الوهم:
لقد أدركت آليات السلطة بالبلاد باكرا أن المواسم ليست مجرد طقوس، بل هي صمامات أمان تتحكم من خلالها في المزاج الشعبي، فهي لحظات للتنفيس الجماعي على غرار لعبة كرة القدم التي أصبحت توظف لذات الغرض، حيث ينسى الناس واقعهم المرير تحت ضجيج الطبول و أهازيج الخيالة و الفرجة و سفافة التخلف، و شعارات الإلتراس بينما في العمق، تستعمل هذه الفضاءات للتطبيع مع الفوضى و اللانظام، لتبرير الإنفاق العبثي من جيوب المواطنين الذين يئنون تحت وطأة الفقر و البطالة.
و الأدهى من ذلك، أن المواسم تتحول إلى منصات لإنتعاش الدعارة المقننة و المخدرات بجميع أشكالها، و إلى مرتع لمافيات تستغل التجمعات البشرية لإصطياد ضحاياها بذهاء، و كأنها مناسبة سنوية للتطبيع مع الإنحراف الأخلاقي و الإنحلال الإجتماعي.
3)إقتصاد وهمي و مجتمع بلا حصانة:
إن ربط التنمية بالمواسم و الزوايا ليس سوى تزييف للوعي الجمعي، لأن الواقع الملموس يظهر أن البنية التحتية للبلاد ما زالت متأخرة عن ركب الإنسانية: طرق متهالكة، مستشفيات مفقودة، مدارس مكتظة، و شباب يائس لا يرى أمامه سوى وهم المخدرات أو قوارب الموت في رحلة نحو “الإلدورادو” المزعوم و وطن يسير بوثيرتين ليخلق واقعا صارخا في كل بناه.
فكيف يعقل أن تستمر الدولة في رهن رقاب شعبها لدى صندوق النقد الدولي و البنك الدولي بقروض متتالية، في حين تواصل إهدار المال العام على مواسم لا تغني و لا تسمن من جوع؟؟؟ أليس هذا إعترافا ضمنيا بأن الحكومة تغولت و الشعب غيب بالكامل من أي إستراتيجية تنموية حقيقية؟؟؟؟
4)آن أوان القطع مع الخرافة:
لقد حان الوقت لقول كلمة حق:
*)فلا تنمية بمواسم الخرافة.
*)و لا تقدم بالرقص على أنغام البلادة و السفاهة.
*) و لا كرامة بالتطبيع مع إقتصاد الوهم و تجارة الأضرحة.
إن ما يحتاجه المغرب اليوم ليس مزيدا من المواسم، بل ثورة في التفكير و التدبير:
*)مدارس تليق بأبناء الفقراء.
*)مستشفيات تحفظ كرامة المرضى.
*)مصانع و مشاريع تفتح أبواب الشغل.
*)سياسات عقلانية تقطع مع الريع و التخلف.
5)صرخة في آذان المسؤولين:
إلى متى سيظل هذا الشعب رهينة سياسات الهروب إلى الأمام؟
إلى متى سيستمر العبث بالميزانيات الجماعية، ألم يكن الأجدر أن تستثمر هذه الأموال في الإنسان لا في وهم الأضرحة؟؟؟؟
ألم يحن الوقت ليستفيق المسؤولون من سباتهم، ليقطعوا مع منطق النهب و الإرتهان للقروض الدولية، ليعيدوا الإعتبار لشعب يستحق أن يعيش بكرامة داخل وطنه بدل أن يبحث عنها وراء البحار أو في غياهب المخدرات؟
إن صرختي اليوم ليست مجرد دعوة لوقف تنظيم المواسم، بل صرخة في آذان من بيدهم القرار:ليكفو من ضحكهم على الذقون!!! فكفى من ترسيخ الجهل و التخلف!!! إن بناء مجتمع قوي يبدأ بقطع شرايين الوهم، و إستثمار المال العام في ما ينفع الناس، لا فيما يميت عقولهم و يمتص غضبهم في نشوة لحظية ثم يتركهم في العراء بقية العام…