عندما تتحول البيدوفيليا إلى سلوك عدواني شاذ يهدد أمن الطفولة:
الأسباب النفسية، الآثار الإجتماعية، و السبل الوقائية
الحلقة الرابعة من سلسلة إحقاق الحق
بقلم: ذة. نجاة زين الدين
لا جريمة أبشع من إنتهاك الطفولة، و لا عدوانية أكثر شذوذا من أن تتحول الغريزة المنحرفة، المريضة إلى ممارسة عدوانية تحيل براءة الأطفال إلى جرح مفتوح في جسد المجتمع. فالبيدوفيليا – أو الميل الجنسي المرضي نحو الأطفال – ليست فقط إنحرافا معزولا، بل قد تتحول، في غياب الضبط الأخلاقي و المؤسساتي، إلى سلوك عدواني مهدد للأمن الإجتماعي برمته، و مقوض لثقة الأجيال في محيطها الأسري و العمومي.
1) الأسباب النفسية و السيكولوجية:
*) الإضطرابات النفسية العميقة: ترجع كثير من الدراسات السيكولوجية البيدوفيليا إلى إختلالات مبكرة في النمو النفسي، أو إلى صدمات عنف جنسي تعرض لها الفاعل في طفولته، فتغرس في لاوعيه أفكارا بصورة مشوهة عن المتعة الجنسية.
*) العجز عن إقامة علاقات سوية: البيدوفيلي يجد نفسه عاجزا عن التفاعل مع الراشدين على قاعدة الندية، فيلجأ بذلك بالسيطرة على الكائن الأضعف.
*) النزوع العدواني المرضي: حين يتفاقم هذا الإنحراف، يصبح نزعة لإذلال الضحية و إخضاعها، لا مجرد رغبة جنسية، أي أنه يتجاوز الإنحراف الجنسي ليصبح مرضا عدوانيا يهدد الأمن النفسي و الإجتماعي.
*) العوامل الثقافية و الإجتماعية: إن ضعف التربية الجنسية السليمة، الطابوهات التي تكتم الحوار الأسري، و إنتشار الإعلام المبتذل، كلها بيئات خصبة لتمرير و إنعاش السلوكيات الشاذة في الظل.
2) الآثار الخطيرة لشدود البيدوفيليا على الإستقرار الإجتماعي:
*) تدمير الثقة الأسرية: حين يتحول جسد الطفل إلى مساحة إنتهاك، تنهار ثقة الأسرة في المجتمع، و يزرع الخوف في قلب كل أب و أم.
*) إنتاج أجيال مشوهة: الطفل المعتدى عليه لا يكبر سليما، بل يحمل ندوبا نفسية قد تترجم إلى إكتئاب، إنتحار، إدمان، أو إعادة إنتاج العنف ذاته.
*) تآكل الأمن الإجتماعي: إنتشار هذه الظاهرة يحول الأحياء و الفضاءات العامة إلى مناطق خوف، و يؤدي ذلك إلى فقدان الشعور بالأمان حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
*) تشويه صورة البلاد: خصوصا حين يرتبط الأمر بالسياحة الجنسية، حيث تتحول بعض الوجهات إلى أسواق سوداء لبيع الطفولة للأجانب مقابل المال، و هو وصمة عار تاريخية تسود جبين وطن، كان حريا به أن لا يقبل بها كيفما كان المقابل و الإستراتيجيات.
3) السياحة الجنسية كعامل مدمر:
لا يمكن إغفال الدور الخطير للسياحة الجنسية في تكريس هذا الإنحراف الشاد، خصوصا في بلدان الجنوب التي تستباح طاقاتها البشرية تحت غطاء “العملة الصعبة”. و المغرب، مع كامل الأسف، ليس بمنأى عن هذه الظاهرة، حيث كشفت تقارير حقوقية عن تورط شبكات منظمة تستغل هشاشة فقر المجتمع و غياب الرقابة، فهذه السياحة الحاطة من كرامة الإنسان عموما و الطفولة خصوصا، تساهم في التطبيع مع الإنحراف، و تفتح شهية بعض المنحرفين المحليين لتقليد ممارسات الأجانب، فتصبح الطفولة وقودا لإقتصاد الظل القذر.
4) الآليات العلاجية و الوقائية:
*) المعالجة النفسية المبكرة: بتوفير مراكز متخصصة لعلاج الجناة و الضحايا على حد سواء، لأن إهمال العلاج يضاعف خطورة إعادة إنتاج الجريمة و شرعنة حضورها بالصمت المتخاذل.
*) القوانين الزجرية الحازمة: لا بد من تشديد العقوبات، ليس فقط على المنحرفين، بل على كل من يتستر أو يسهل أو يغض الطرف عن هذه الجرائم الوحشية التي تتغدى منها الذئاب البشرية.
*) التربية الجنسية المسؤولة: إدماج برامج تربوية تعلم الأطفال معنى حماية الجسد، و كيفية التبليغ عند التعرض لأي محاولة إستغلال.
*) دور المجتمع المدني: الجمعيات المستقلة مدعوة إلى إطلاق حملات توعية، و مراكز لإستقبال الضحايا، و للتنسيق الدائم مع السلطات القضائية.
*) تجفيف منابع السياحة الجنسية المقيثة: و لن يتأتى ذلك إلا برقابة صارمة، و بكشف الشبكات المحلية و الدولية المتورطة في هذه التجارة القذرة، و الترويج لسياسات سياحية تراعي الكرامة الإنسانية لا البحث عن “الربح بأي ثمن”.
5) مقترحات عملية للمجتمع المدني:
*)إطلاق خطوط هاتفية مجانية للتبليغ عن أي شبهة إستغلال جنسي كيفما كانت طبيعتها و ضحيتها.
*)تأسيس عيادات نفسية متنقلة في القرى و المناطق الهشة حيث يكثر التعتيم و تتحكم الطابوهات و عقلية “الحشومة المساعدة على تفشي ظواهر من هذا النوع”
*)بناء شبكات يقظة مجتمعية تضم أساتذة و أطباء و أئمة و فاعلين جمعويين لمتابعة أي حالات مشبوهة.
*)الضغط المستمر من أجل إصدار تقارير سنوية رسمية تكشف الأرقام الحقيقية للجرائم الجنسية ضد الأطفال.
*)تعزيز ثقافة التربية الحقوقية في الإعلام العمومي، بدل تسطيح النقاش أو تحويله إلى موضوع للتندر و الفضائح و سياسة للإلهاء.
6) الحذر من سياسة “لْهي يا بومْلْهي”:
هنا يجب الإنتباه إلى خيط رفيع: كثيرا ما تستغل هذه الجرائم الفضيعة في خطاب إعلامي أو سياسي لصرف الأنظار عن القضايا المصيرية الكبرى: من العدالة الإجتماعية إلى الديمقراطية الحقة، و من توزيع الثروة إلى محاربة الفساد. فيصبح المواطن أسيرا لخطابات الخوف و الفضائح، منشغلا بمطاردة “الشذوذ” بينما يهمل معركة الكرامة الإقتصادية و العدالة المجالية و الحق في مجانية التعليم و التطبيب و السكن و من ثم، فإن الوعي النقدي واجب أكيد: لكي نواجه الإنحراف بلا هوادة، لكن يجب أن نربطه بإطاره الإجتماعي و بسياقه الإقتصادي و بمرجعيته السيكولوجية، يعني بسياقه الأوسع، حيث لا يمكن إستغلال فواجع هذه الكوارث كستار لإدامة الإستبداد و التفقير و توظيف الإعلام للتطرق إلى الظاهرة بمنطق سطحي دون سبر لأغوار الأسباب الحقيقية وراء كل ما سبق.
إن مواجهة البيدوفيليا حين تتحول إلى سلوك عدواني ليست مجرد قضية أخلاقية، بل معركة وجودية على أمن الطفولة و إستقرار المجتمع، لكن هذه المواجهة لن تكون ناجعة إلا إذا جرت في إطار شمولي يربط بين الوقاية، العلاج، العدالة( القاعدة القانونية المؤطرة و المعاقبة للسلوك، بحيث يجب إنزال أقصى العقوبات على الجناة مغاربة كانوا أو أجانب دون رحمة و على كل المتورطين في تسهيل هذا الفعل الجرمي)، و العدالة الإجتماعية الأوسع. فالطفل الذي نحميه اليوم، هو المواطن الذي سيحمي الوطن غدا، و لن نعيش بسلام إلا حين نضمن له أن جسده ليس سلعة، و أن كرامته ليست ورقة للتفاوض و لا وسيلة و لا أداة لإنعاش سياحة البلد ….