الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

الضمير الشعبي والضمير الحكومي

البدالي صافي الدين

 

 

 

في أي دولة، كيفما كانت، حينما ينعدم فيها الضمير الحي، تسقط القيم الإنسانية وانهار الأخلاق، ويطغى الكذب والنفاق الاجتماعي والفساد ونهب المال العام واستغلال النفوذ، وتعم سياسة الريع والامتيازات وسياسة الإفلات من العقاب، تصبح الدولة دولة استبداد ترعى الفساد والرشوة والإثراء غير المشروع. 

 

إن مناسبة هذا التقديم هو ما أصبح يعيشه بلدنا الحبيب من تناقض قوي بين الضمير الشعبي والضمير الحكومي. ذلك أن الدولة المغربية تَسنُّ القوانين وتضع الحكومة التشريعات وتُحدد العقوبات، التي من شأنها أن تكفل الحياة الآمنة لأفراد الشعب وتحفظ الحقوق، وتُؤدى الواجبات، وتُكافح الجرائم، لكن في غياب يقظة الضمير الحكومي، أي الضمير الحي الذي هو العنصر الرقابي عند كل إنسان، الذي يضمن شرط التساوي بين الحق والواجب والذي يقدر كرامة الشعب وما يحتاجه من صدق في القول والفعل وتقديره لحاجياته وصيانة كرامته وحمايته من كل أشكال الفساد والاستغلال، فإن الدولة تصبح بلا قيمة ولا مصداقية لها. 

 

ويصبح الضمير الشعبي هو المنقذ وهو الذي يقاوم حكومة بلا ضمير حتى لا تستمر في غيها وكذبها وسرقة أموال هذا الشعب. 

 

إنه لما أعلنت حكومة أخنوش للشعب المغربي أنها قررت استيراد رؤوس الأغنام من الخارج بمناسبة عيد الأضحى لسنة 2024، للمحافظة على الأسعار المناسبة وذلك بدعم مالي للمستوردين وتسهيلات جمركية، دون أن تفتح باب المنافسة، مستغلة ظروف الجفاف وندرة رؤوس الأغنام للأضحية. لقد صدق الشعب قول الحكومة، لكن الفعل كان من فعل عديمي الضمير، لأن الأموال التي دفعتها الحكومة للمستوردين، 1300 مليار سنتيم، استفاد منها 18 محظوظا أي ما يقارب 72 مليار سنتيم لكل واحد منهم، حسب تصريح أحد وزراء الحكومة، لم يستفد الشعب من نتائج هذا الدعم، لأن أسعار أضحية العيد استمرت في الارتفاع أكثر. لقد كذبت الحكومة على الشعب، وهي ظاهرة من مظاهر انعدام الضمير والخيانة. 

 

إنها كذبة حاول رئيس مجلس النواب الدفاع عن خطأ الحكومة بخطأ أكبر لتكتمل الكذبة المركبة. 

 

وتأتي فضيحة أخرى التي تعكس غياب الضمير الحكومي، ألا وهي الصفقة المتعلقة بتنظيم الدورة الثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، من 17 إلى 27 أبريل 2025 بالرباط. إنها لعبة أخرى من ألاعيب الحكومة التي يتحكم فيها انعدام الضمير الحي، الضمير الوطني. حيث تم الوقوف على مجموعة من المخالفات بطلبات العروض المفتوحة تحت رقم 01/DAAF/FNAC/2025، والتي تهدف إلى تنظيم الدورة الثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب. لقد نشرت وزارة الثقافة الإعلان عن الصفقة رقم 18166 بجريدة “لوماتان” يوم 07 فبراير 2025، وكذلك العدد 12034 من جريدة “الصحراء المغربية” بتاريخ 07 فبراير 2025 وربما تم نشر الإعلان على بوابة الصفقات العمومية. لقد تمت عملية فتح الأظرفة، يوم الجمعة 21 مارس 2025. وبتاريخ الإثنين 24 مارس 2025، نشرت وزارة الثقافة على بوابة الصفقات العمومية نسخة من المحضر الموقع، تبين فيه أن الشركة الفائزة بالصفقة هي Nouvelle Société Avant-Scène، لكن الملاحظ هو أن أشغال تركيب السرادقات والمنصات والهياكل قد انطلقت في نفس اليوم أي بتاريخ 24 مارس 2025. 

 

لكن الأسئلة المطروحة هي: هل يمكن للجنة النظر في طلبات العروض أن تكمل عملها مع الالتزام الكامل بأحكام المواد من 39 إلى 47 من المرسوم رقم 431-22-2 المؤرخ بـ 8 مارس 2023 المتعلق بالصفقات العمومية في ظرف يومين فقط (أي 21 و 24 مارس)، مع العلم أن دفتر التحملات قد نص على ضرورة توفير عرض تقني؟ كيف يمكن أن يبدأ صاحب الشركة الفائزة بالصفقة في تنفيذ الأشغال في نفس يوم التوقيع على المحضر، هذا إن لم يكن قد شرع قبل ذلك؟ مع العلم أن المادة 142 من قانون الصفقات تنص على ما يلي: أن تكون الصفقات التي تمنحها الدولة والجماعات المحلية صحيحة ونهائية إلا بعد الموافقة النهائية “approbation définitive” عليها من لدن السلطة المختصة. ولا يشرع في التنفيذ إلا بعد انقضاء فترة انتظار مدتها خمسة عشر يوماً من اليوم التالي لتاريخ انتهاء أعمال لجنة فتح العروض. 

 

ترى متى تمت الموافقة “approbation”؟ وكيف أمكن أن يكون تاريخ تنفيذ الأشغال وتاريخ التوقيع على المحضر متزامنين؟ متى أخضعت وزارة الثقافة الصفقة أعلاها لتأشيرة المحاسب؟ من قدم الضمانات لصاحب الشركة الفائزة بالصفقة حتى يجرؤ على الشروع في التنفيذ قبل استلام إخطار الموافقة والأمر بالخدمة “approbation et l’ordre de service” لبدء العمل كما ينص على ذلك القانون؟ 

 

لماذا فازت نفس الشركة بمبلغ 22 مليون درهم في عام 2022 قبل أن تقفز قفزًا إلى مبلغ 45 مليون درهم في عام 2025، دون أن تحدث في الحقيقة أي تغييرات كبيرة في شروط التنفيذ تبرر قفزة هذا السعر إلى ضِعفه؟ إن وزارة الثقافة اعتمدت طريقة تهريب الصفقة ضدًا على القانون المنظم للصفقات. وإلا، فما هي الشروط التمييزية على مستوى نظام الاستشارة التي أدت إلى عزوف المتنافسين عن المشاركة في طلب العروض؟ إنه على وزارة الثقافة تقديم شروحات قانونية لهذه الصفقة؟ وهل ستأتي الحكومة لتكذب الضمير الحي الشعبي وتصدق انعدام الضمير الحكومي؟ ألم تعلم حكومة أخنوش أنه إذا تم تغييب رقابة المؤسسات الرقابية للدولة للمضي في نهب مال الشعب، فإن الضمير الحي الشعبي يظل يقظًا ويحصي ما ترتكبه الحكومة من فساد في البلاد؟ 

 

لأن الضمير الحي هو من المشاعر والمبادئ والقيم التي تحكم الإنسان والمؤسسات الحكومية، ليكون هنالك سلوك محترم، يحترم الشعب ويشعر به ويحافظ على مشاعره ويراعي حقوقه والابتعاد عن الخطأ. 

 

إن الشعب المغربي ظل يتعاطى مع القضايا الاجتماعية والسياسية والقضايا الوطنية بوعي وضمير حي للحفاظ على سلامة البلاد، شأنه شأن بعض المسؤولين الحكوميين الذين يتميزون بالضمير الحي ويشتغلون في صمت من أجل الوطن والمواطنين والمواطنات، في حين أن الأغلبية الحكومية أصبحت من ضمن “الفراقشية”، ينهبون ويسرقون ويتآمرون على الشعب، ونسوا أن هناك شيئًا يُسمى الضمير. 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!