رقمنة المشاعر
ذ. ياسين يحي – إسبانيا
كانت الرسائل الخطية هي الوسيلة الوحيدة للتواصل، أو قبلهاكانت النقوشات على الحجر، و نحت التماثيل و المعادن، ضربامن التواصل و التعبير عن الذات، ووسيلة لممارسة الفن و النشاطالثقافي.
و غير بعيد، كما استهلت هذه الديباجة، كانت الرسالة، و الكتابو الورق والمداد، هي الطريقة والنحلة المثلى للتعبير و التواصل، وتدوين الفن و توثيق المشاعر..
فكان شغف اقتناء ديوان شعر، والنبش في المعارض و الرفوفالمغبرة، لفرحة كبرى و غبطة لارتشاف بعض الأبيات الشعرية، والانتشاء بما صاغه الآخرون، محاولين دغدغة عواطفنا، و تكتكةشبابيك شعورنا بالشعر أو النثر أو غيره من الفنون الكتابيةالتعبيرية.
لتنزلق قليلا في منحدر الزمن، إلى أن نركن إلى يومنا، ونتحسس الشرخ العميق، والهوة الكبيرة بين ما كنا، و ما صرناعليه اليوم.
لقد ترقمنت لغتنا، و عبرها، ترقمنت مشاعرنا كذلك، و صرنا نحبعبر الشاشة المضيئة، و نعبر عبر اللوحة الأوتوماتيكية، بل وصرنا نتكلم لغة رقمية ملونة و مختلفة الأشكال, فالايقونات وتركيبة الحروف و تهجينها من إدغام تعريب مع معجم، و إقران وحذف و خلط، هي التي أخذت مقعد الكلمة الأنيقة، و العبارةاللائقة.
و مما لا شك فيه، أن اللغة هي المؤثر الأول على الفكر، و المساهمالأكبر في تكوين البنية التخيلية و التصور الادراكي للمشاعر والأحاسيس المدركة، و رقمنة اللغة التي نعيشها اليوم، حتما تؤثروتساهم في رقمنة المشاعر و طرق التعبير، بل حتى خوارزمياتالتحليل العاطفي قد تتأثر بطريقة معمقة.
دعوني ادلي بمثال هنا، حتى يكون للمقال مقام واقعي، و تجلملموس.
كيف تفكر عندما تريد التعبير عن كلمة رقيقة، أو تحية منمقة أورسالة تعبر فيها عن شعورك؟ لا اعتقد انك تبحث عن ورقة و قلم، بقدر ما تتهافت يدك دون تردد لهاتفك، فتنطلق بإرسال قلوبحمراء و ايقونات تغمز، أو أصابع تشير الى علامة القلب أو إبهامتؤكد به موقفك، أو اصبعين، حتى تعلن نصرك أو نصرتك.
الحرج ليس في الأيقونة و لا حتى في القلب، بل في تفكيك طرقالتعبير الكلاسيكية المبنية على أساس لغوي، إلى أخرى مشفرة ومرموزة، قد توصل المعنى، لكنها تنتهك حرمة و رونق المبنى.
قد يبدو الموقف اعتياديا، وربما تذهب بنا القريحة إلى أن مانخوض فيه في هذا التحليل امر بديهي و لا حاجة لنا فيه منإهدار جهد أو إعمال عقل.
لكنني أيها القارئ العزيز، قلق و متضايق من هذه الحال، بلاتحسس بعض الخطر المحدق بلباقة اللغة، و أنماط ايصالها ومناهج تبليغها، فكما لا يختلف عليه اثنين أن جيلنا الصاعد، اقصد أبنائنا ومن يليهم، أصبحت الايقونات، و التعابير التكعيبية، و العلامات الاتوماتيكية تغزو اللغة لديهم، و تهبُ بطرق التعبيروأساليبها أشد هبوب، وهذا، ليس لعيب في اللغة المرقمنة، بللخسارة فادحة في أناقة الكلمة، و جمال التعبير، و نضارةالوصف، و رسم الشعور بالكلمات.
لن اطيل اكثر في ما أخوض فيه الآن ، و قد أحسست بوضوحالفكرة لديك عزيز القارئ، و انتفاضة حواسك لما ظلمنا فيهأنفسنا تجاه اللغة الكلاسيكية، و رائحة الورق والمداد، و تعطشكلكلمة مطرزة الصياغ، و متقونة السياق.
لقد علمتني الكتب الورقية، و طول الانتظار لشرائها، ثم لإتمامها، وكذا كتابة الشعر و غزله بمغازل عربية أنيقة، كل ذلك، أثقلكاهلي بالدفاع عن الشعور الطبيعي ضد الشعور المرقمن