الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

رقمنة المشاعر

 

ذ. ياسين يحي – إسبانيا

 

 

كانت الرسائل الخطية هي الوسيلة الوحيدة للتواصل، أو قبلهاكانت النقوشات على الحجر،  و نحت التماثيل و المعادن، ضربامن التواصل و التعبير عن الذات، ووسيلة لممارسة الفن و النشاطالثقافي.

و غير بعيد، كما استهلت هذه الديباجة، كانت الرسالة، و الكتابو الورق والمداد، هي الطريقة والنحلة المثلى للتعبير و التواصل، وتدوين الفن و توثيق المشاعر..

فكان شغف اقتناء ديوان شعر، والنبش في المعارض و الرفوفالمغبرة، لفرحة كبرى و غبطة لارتشاف بعض الأبيات الشعرية، والانتشاء بما صاغه الآخرون، محاولين دغدغة عواطفنا، و تكتكةشبابيك شعورنا بالشعر أو النثر أو غيره من الفنون الكتابيةالتعبيرية.

لتنزلق قليلا في منحدر الزمن، إلى أن نركن إلى يومنا، ونتحسس الشرخ العميق، والهوة الكبيرة بين ما كنا، و ما صرناعليه اليوم.

لقد ترقمنت لغتنا، و عبرها، ترقمنت مشاعرنا كذلك، و صرنا نحبعبر الشاشة المضيئة، و نعبر عبر اللوحة الأوتوماتيكية، بل وصرنا نتكلم لغة رقمية ملونة و مختلفة الأشكال, فالايقونات وتركيبة الحروف و تهجينها من إدغام تعريب مع معجم، و إقران وحذف و خلط، هي التي أخذت مقعد الكلمة الأنيقة، و العبارةاللائقة.

و مما لا شك فيه، أن اللغة هي المؤثر الأول على الفكر، و المساهمالأكبر في تكوين البنية التخيلية و التصور الادراكي للمشاعر والأحاسيس المدركة،  و رقمنة اللغة التي نعيشها اليوم، حتما تؤثروتساهم في رقمنة المشاعر و طرق التعبير، بل حتى خوارزمياتالتحليل العاطفي قد تتأثر بطريقة معمقة.

دعوني ادلي بمثال هنا، حتى يكون للمقال مقام واقعي، و تجلملموس.

كيف تفكر عندما تريد التعبير عن كلمة رقيقة، أو تحية منمقة أورسالة تعبر فيها عن شعورك؟ لا اعتقد انك تبحث عن ورقة و قلم، بقدر ما تتهافت يدك دون تردد لهاتفك، فتنطلق بإرسال قلوبحمراء و ايقونات تغمز، أو أصابع تشير الى علامة القلب أو إبهامتؤكد به موقفك، أو اصبعين، حتى تعلن نصرك أو نصرتك.

الحرج ليس في الأيقونة و لا حتى في القلب، بل في تفكيك طرقالتعبير الكلاسيكية المبنية على أساس لغوي، إلى أخرى مشفرة ومرموزة، قد توصل المعنى، لكنها تنتهك حرمة و رونق المبنى.

قد يبدو الموقف اعتياديا، وربما تذهب بنا القريحة إلى أن مانخوض فيه في هذا التحليل امر بديهي و لا حاجة لنا فيه منإهدار جهد أو إعمال عقل.

لكنني أيها القارئ العزيز، قلق و متضايق من هذه الحال، بلاتحسس بعض الخطر المحدق بلباقة اللغة، و أنماط ايصالها ومناهج تبليغها، فكما لا يختلف عليه اثنين أن جيلنا الصاعد، اقصد أبنائنا ومن يليهم، أصبحت الايقونات، و التعابير التكعيبية، و العلامات الاتوماتيكية تغزو اللغة لديهم، و تهبُ بطرق التعبيروأساليبها أشد هبوب، وهذا، ليس لعيب في اللغة المرقمنة، بللخسارة فادحة في أناقة الكلمة، و جمال التعبير، و نضارةالوصف، و رسم الشعور بالكلمات.

لن اطيل اكثر في ما أخوض فيه الآن ، و قد أحسست بوضوحالفكرة لديك عزيز القارئ، و انتفاضة حواسك لما ظلمنا فيهأنفسنا تجاه اللغة الكلاسيكية، و رائحة الورق والمداد، و تعطشكلكلمة مطرزة الصياغ، و متقونة السياق.


لقد
علمتني الكتب الورقية، و طول الانتظار لشرائها، ثم لإتمامها، وكذا كتابة الشعر و غزله بمغازل عربية أنيقة، كل ذلك، أثقلكاهلي بالدفاع عن الشعور الطبيعي ضد الشعور المرقمن

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!