الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

أسئلة على هامش الانتخابات التشريعية الفرنسية

 

 

البدالي صافي الدين/المغرب

 

اهتمت النخبة في المغرب بالانتخابات التشريعية الفرنسية التي انتهت أطوارها الأحد 7 يوليوز 2024، حيث احتلت الجبهة الجديدة المرتبة الأولى و التحالف “الماكروني” الرتبة الثانية و اليمين المتطرف الرتبة الثالثة. و بذلك يكون الوعي الفرنسي قد وضع مرة أخرى اليمين المتطرف في مرتبة دون تحقيقه أغلبية مطلقة. واختار الوعي الفرنسي من يكون في المقدمة من بين الأحزاب المتنافسة، لتظل فرنسا وفية للقواعد الديمقراطية الحقة. الوعي الذي ينتظره العالم المتحضر من الشعب الفرنسي حتى تكون فرنسا الدولة التي تدافع على القيم الانسانية و حقوق الإنسان و على حرية الشعوب واستقلالها و حتى لا تسقط في الشوفينية و التمييز العنصري والعرقي و العودة الكاملة إلى ركب الدول التي تساند الشعوب المضطهدة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.

 

إن الانتخابات التشريعية هذه تظل نتائجها لفرنسا و للفرنسيين و يظل الفرنسيون لفرنسا و مخلصون “لفرنسا هم” و هم يحتكمون إلى الديمقراطية درءا لكل هيمنة مطلقة أو استبداد أو العودة إلى ما قبل الثورة (1789 ) مما يجعلنا أمام أسئلة متعددة:  لماذا اهتم المغاربة بهذه الانتخابات؟  هل لوجود روابط ثقافية و اقتصادية و اجتماعية و علاقات استراتيجية؟ أم هناك أمل في أن نسقى نحن كذلك من عين الديمقراطية التي جعلت الجبهة الجديدة، التي هي عبارة عن تكتل أحزاب تقدمية و يسارية في المرتبة الأولى و نستطيع تكوين جبهة قوية تتزعم الانتخابات التشريعية والجماعية ؟

 

إنها تساؤلات تحتاج إلى توضيح حتى لا نبتعد عن واقعنا إلى واقع لسنا منه و لا هو منا و ذلك من خلال الاشارة الى  ما يلي :

إن مصطلح اليمين في فرنسا هو مصطلح سياسي يرجع أصله إلى الثورة الفرنسية 1789م والتي كانت بداية ثقافة سياسية بديلة حسمت في الخلط بين المواقف والاتجاهات. حيث كان مصطلح اليمين يعني النواب الذين كانوا يجلسون إلى اليمين في البرلمان وكانوا موالين للملكية. و ظهوره كقوة سياسية بمشروع يرمي إلى الإيمان بالتفاوت الطبقي باعتباره أمرا طبيعيا و أيضا يؤمنون بوجوب وجود طبقة فقيرة و طبقة غنية وطبقة متوسطة، و ان أنصار التيار اليميني بكل ما تفرعاته كانوا غالبا يدعون إلى التدخل في حياة المجتمع للحفاظ على تقاليده، على النقيض من تيار اليسار، الذي يدعو إلى فرض المساواة بين أفراد المجتمع الواحد. و يظل اليمين الفرنسي يدعو إلى تعزيز وتمتين هيكل النظام القائم على عكس الأجنحة اليسارية التي تدعو إلى تغيير جذري للأنظمة والقوانين القائمة .

 

من جانب آخر اليسار الفرنسي هو مصطلح سياسي يعني عكس اليمين، كان يمثل النواب الذي يجلسون على اليسار في البرلمان الفرنسي، فأصبحوا يمثلون تيار التغيير ومقاومة الهيمنة و الفوارق الطبقية و مساندة الطبقة العاملة. إذن هل يمكن أن يكون لنا مناخ سياسي كالذي هو في فرنسا، الذي تتحكم فيه الأحزاب السياسية والنقابات الديمقراطية؟

قبل الجواب على السؤال استحضر كلمة الراحل المرحوم أحمد بنجلون في ندوة داخلية بقلعة السراغنة في مارس 1983 حول التشكيلة الاجتماعية حيث جاء في سياق كلمته ” إن الاشتراكية العلمية ليست حداء له قياس موحد يناسب كل أرجل رجال العالم، إنما هي أداة للتحليل و كهدف”.

 

إننا في المغرب نفتقر الى مجموعة من الشروط لنربح الرهان كما هو الشأن في فرنسا. و من هذه الشروط :

 

أولا : الشرط الديمقراطي، إننا نفتقر الى الديمقراطية الحقة التي تمكن الشعب من حقه في تقرير مصيره السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المساواة بين الحقوق والواجبات و ربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

ثانيا : لا وجود ليمين وطني في بلادنا كما هو في فرنسا، لأن ما يمكن تسميته باليمين في المغرب هو فقط تجاوز سياسي و تعسف على المصطلح، لأن الأحزاب التي نقول عنها باليمينية في المغرب ما هي إلا مجموعة أعيان ظلوا رهن إشارة المخزن في حله وترحاله. وهم أغنياء الريع الذي دشنته فرنسا إبان استعمارها للمغرب، و ليس لهم حس وطني ولا مبادئ سياسية إلا الولاء للحكام. و يستعملهم النظام للحفاظ على أركانه التي تتجلى في البيعة والطاعة و الهيبة والسلطة، و من بينهم شكل الأحزاب و الجمعيات والزوايا حتى لا تظهر قوى سياسية مناهضة وفي مقدمتها اليسار. لأن اليسار المغربي يستمد شرعيته من حركة التحرير الشعبية و يواجه النظام و ليس اليمين كما هو في فرنسا. و له مشروعه الذي يهدف إلى التغيير الجذري للنظام السياسي وبناء الدولة الديمقراطية التي قوامها الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و فصل السلط. لقد تبنى اليسار ‬إيديولوجية‭ ‬الكادحين‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج التي تتجلى في الاشتراكية العلمية، كمنهجية للتحليل، تحليل الواقع الملموس، و كهدف، والوقوف على ‬حقيقته‭ ‬ونتائج سياسة النظام الحاكم و هوية‭ ‬أصحابه كخدام ‬التبعية،‭ ‬و المستفيدين‭ ‬منها وظلوا أعداء ‬للتحرير‭ ‬الحقيقي خوفا على مصالحهم. فاليسار هو الوحيد الذي من طبع انتماءه ومبادئه يعبر عن إرادة الجماهير الشعبية وهو لا يصارع اليمين المخزني أي اليمين النظامي بل ظل في صراع مستمر مع النظام واقعيا و على مستوى الساحة بصدر مكشوف لرصاصه بدون دروع و بشعاراته الواضحة منذ الإستقلال و بدون خوف و لا خشوع . لذلك استعمل النظام ضد هذا اليسار بكل مكوناته كل أساليب القمع والاختطاف و الاغتيالات و المعتقلات السرية و كل أشكال الإقصاء و القهر و النفي خوفا منه أن يتقوى و تقتنع الجماهير الشعبية بتوجهه واختياراته، مما قد يؤدي إلى تغيير جذري للنظام السياسي بالبلاد . و لذلك يظل اليسار محاصرا و ممنوعا من الصرف السياسي من طرف النظام الحاكم ، حتى لا يتطور و تتقوى كتلته و شوكته . و يستمر النظام في خنقه و التسبب له في متاعب التفرقة والتشرذم .

 

إذن فإن الصراع السياسي في فرنسا هو بين اليمين و حلفاءه من أحزاب ليبرالية و غيرها و بين أحزاب يسارية و من يتحالف معها في ملعب الانتخابات التشريعية أو الرئاسية .لكن في بلادنا الصراع هو في حد ذاته مع النظام السياسي و في غياب شروط ديمقراطية حقيقية تجعل اليسار يضع برنامجه على طاولة الاختيار الجماهيري.

 

إن اليسار في المغرب رغم امتداداته العلاقاتية في أوروبا و في بعض دول أمريكا الجنوبية، لم يستفد من تجارب بعض هذه الدول التي حققت الديمقراطية بالمصالحة مع الجماهير الشعبية و تقوية العلاقة مع الطبقة العاملة، بالرغم مما يمتلكه من زخم نظري وما راكمه من تجارب جد مهمة في الصراع الاجتماعي على أرض الواقع ، فإنه لم يستفد من التجربة الرائدة للتحول الديمقراطي الذي عرفته دول أمريكا اللاتينية لوجود تشابه في محددات وركائز التغيير، التي أظهرت للعالم أجمع أن أزمة الفكر،والقطبية والنموذج الواحد قد انتهت، و التخلي عن سياسة الرفض لكل ما هو وارد بل الاستفادة من آلياته الديمقراطية وقيمه الراقية بدون انصهار و ذوبان قد تتولد عنهما تبعية واضطرابات مجتمعية، بل من أجل الارتقاء إلى رقي العصر انسجاما مع أصالة وقيم الشعب المغربي ، لأن اليسار هو الذي يظل يحمل مشروع التغيير من خلال جدلية النضال و من خلال التغييرات التي طرأت على الساعة الجماهيرية نفسها.

 

إن يمين فرنسا ليس هو يميننا في المغرب، وأن صراع اليسار سيظل مع النظام السياسي و ليس مع خدامه من أحزاب ريعية نفعية و من أعيان يبحثون عن السلطة بالمجان .

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات